مقبرة خنداق الزربوح..أمانة في أعناق المسؤولين
ما يقع بمقبرة حي خنداق الزربوح لم يعد مجرد إهمال يمكن تبريره أو السكوت عنه، بل تحول إلى مشهد مؤلم يمس بحرمة الموتى ويهز ضمير كل من لا يزال يؤمن بأن للإنسان كرامة لا تزول بموته، مكان يفترض أن تسوده السكينة والوقار، أصبح مرتعًا للرعي وانهيار السور دون تدخل، في صورة صادمة تتنافى مع تعاليم ديننا وقيم مجتمعنا.
ولقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، وهذا التكريم الإلهي لم يقيد بالحياة دون الموت، بل هو تكريم مطلق يشمل الإنسان في كل أطواره، وفي الشريعة الإسلامية، حرمة الميت عظيمة، وصون قبره واجب، وعدم الاعتداء عليه أصل من أصول الاحترام الذي أمر به الدين. غير أن ما تشهده مقبرة خنداق الزربوح يعكس استهتارًا خطيرًا بهذه القيم، حيث تُرعى المواشي بين القبور وتُداس الأرض التي تحتضن أجساد من رحلوا، دون أدنى اعتبار لمشاعر عائلاتهم أو لقدسية المكان.
ولقد أكد دستور المملكة المغربية لسنة 2011 في فصله الثاني والعشرين على أنه “لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف ومن قبل أي جهة كانت”، وإذا كان هذا المقتضى الدستوري يحمي الإنسان في حياته، فإن كرامته تظل مصونة حتى بعد وفاته، باعتبارها امتدادًا لحرمة الشخص واعتباره الإنساني، كما ينص الفصل الحادي والثلاثون على حق المواطنات والمواطنين في بيئة سليمة وآمنة، وهو ما يشمل حماية الفضاءات العمومية، وعلى رأسها المقابر، من كل أشكال الإهمال أو الفوضى التي قد تشكل خطرًا على الساكنة.
والأخطر من ذلك أن جزءًا من السور بالجهة السفلى للمقبرة قد سقط، ما يجعلها مكشوفة وعرضة لكل أشكال الفوضى، ويهدد سلامة المارة والساكنة المجاورة. إن استمرار هذا الوضع دون تدخل عاجل قد يؤدي إلى انجراف التربة، خاصة مع التساقطات المطرية، وهو ما قد يتسبب في انكشاف القبور وظهور الجثامين في مشهد صادم يمس بكرامة الموتى ويخدش صورة المدينة بأكملها.
عائلات المدفونين لم تعد تخفي غضبها وألمها، وهي ترى قبور ذويها تُنتهك للمرة تلو الأخرى دون أن تجد آذانًا صاغية أو إجراءات حازمة تضع حدًا لهذا العبث. فإلى متى سيظل هذا الملف مؤجلًا؟ وإلى متى ستبقى المقبرة بلا حماية حقيقية، وكأن حرمة الموتى شأن ثانوي لا يستحق الاستعجال؟
إن صيانة المقابر ليست خيارًا إداريًا، بل واجب ديني وأخلاقي وقانوني، وأي تقصير في هذا الجانب هو تفريط في الأمانة ومسؤولية يتحملها كل من يعنيه الأمر، فالموتى لا يستطيعون الدفاع عن حرمتهم، لكن كرامتهم أمانة في أعناق الأحياء، ومن يتهاون فيها اليوم، إنما يضرب عرض الحائط بقيمة الإنسان التي عظّمها الله.