خرج ليعظ.. فوعظناه (بالضحك)

تطوان7/مدير النشر

عادةً، حين يخرج أي إنسان من تجربة قاسية، يحتاج إلى وقت: وقت للراحة، وقت للتفكير، وقت لالتقاط الأنفاس، وربما وقت للندم. لكن صاحب “الجريدة الورقية” التي كانت تتصدر واجهات الأكشاك بعناوينها الصادمة، لم يكن بحاجة إلى أي من هذا. خرج من هناك، وبالكاد أغمض عينيه ليعطرهما بنسمات الحرية، فإذا به بالفعل خلف ميكروفون حديث، يتحدث عن “التشهير” و”الابتذال” وكأنه ظل طوال هذه الفترة في مؤتمر صحفي متواصل. البعض يخطط لمشاريعه لأشهر، وهذا الرجل خطط لـ”نهضته الإعلامية” وهو لا يزال خلف القضبان! أو ربما كان يكتب حلقاته على أغلفة ملفاته القضائية؟ سخرية لا توصف.

المتابع لحلقاته يمكنه أن يلاحظ أمراً مدهشاً: لم يظهر على الرجل أي أثر لتلك التجربة سوى حماس زائد لمهاجمة الآخرين. لم تتغير نظرته للحياة، ولم تخف حدة خطابه، بل خرج بنفس العقلية ونفس الأسلوب، فقط استبدل “الورق” بـ”الميكروفون” و”العنوان الصادم” بـ”العنوان الاستفزازي”. وكأن تلك الفترة كانت مجرد “استراحة محارب” أو “توقف فني” كما تفعل فرق الغناء قبل جولة جديدة. السؤال الذي يطرح نفسه بسخرية: هل كان يعتقد الناس أنه سيخرج وقد تحول إلى راهب متصوف يوزع الورود على خصومه؟ لا، خرج منتقداً، ولم يتغير فيه شيء سوى الأداة. لكنه نسي أن يخبرنا: متى سجل هذه الحلقات؟ هل كان معه حاسوب محمول داخل الزنزانة؟ سؤال طريف، لكن إجابته الأكثر طرافة تكمن في أنه كان يحتاج إلى “صالون تجميل” قبل “استوديو تسجيل”، لا إلى “خلوة تأمل”.
قبل خروجه، كان اسم هذا الرجل مقترناً بعبارات مثل “تحقيقات مدمرة” و”ملفات شائكة” و”عناوين تغير حياة الناس”. كان يمتلك جريدة ورقية يتحدث عنها الجميع، لكن لا أحد كان يتحدث عنها كـ”منبر للحقيقة”، بل كـ”ساحة لتسوية الحسابات”. وبعد خروجه بأيام، أصبح اسمه مقترناً بـ”الأخلاق” و”الشفافية” و”نقد الذات” (نقد ذات الآخرين طبعاً). هذا التحول السريع يثير الدهشة، ويجعلك تتساءل: هل أجرى عملية “تحديث” سريعة وهو في طريقه من بوابة الخروج إلى بوابة الأستوديو؟ أم أنه اكتشف فجأة أن “البودكاست” هو أفضل وسيلة لمسح الأقراص الصلبة للذاكرة الجماعية؟ الغريب أنه تحدث كثيراً عن “مراجعات الآخرين”، لكنه لم يجر أي مراجعة ذاتية. خرج وهو يعرف بالضبط ماذا سيقول، وكيف سيقوله، ولمن سيقوله. إنها خطة تسويقية محكمة، بطلها “رجل لم توقفه جدران” عن بدء مشواره الجديد.

هناك مثل شعبي يقول: “العجلة من الشيطان”. لكن صاحب البودكاست الجديد بدا وكأنه متعاقد مع “الشيطان” أصلاً على سرعة الإنجاز! خرج من هناك وأسرع إلى الميكروفون أسرع من جرحى الحرب إلى المستشفيات. لم يسأل نفسه: “هل آن الأوان لفتح صفحة جديدة؟” بل فتح البودكاست قبل أن يجف حبر أخبار الجريدة الورقية القديمة. الأطرف من ذلك أنه بدأ ينتقد “الابتزاز الإعلامي” وهو لم يعتذر بعد لأي ضحية، ولم يشر حتى إلى ما حدث. ربما يعتقد أن “السرعة” ستمنحه الأسبقية في سباق “تلميع الصورة”، وأن الناس ستنسى الماضي إذا كان الحاضر “مسموعاً” بصوت جهوري. لكنه نسي أن “الأرشيف” لا يُمحى بالسرعة، وأن التناقض بين “الخروج من هناك” و”الوقوف هنا” بتلك العجلة، هو أكبر دليل على أن الرجل لا يزال يمارس نفس اللعبة، لكن على مسرح جديد.

هكذا أيها السيد “الواعظ الجديد”، خرجت لتعلّم الناس كيف يكون الإعلام النزيه، فإذا بنا نضحك. ضحكاً ليس بالهازئ فقط، بل ضحكاً بـ”الاستغراب”. كيف لشخص بهذا التاريخ أن يقف اليوم في صف “المصلحين”؟ كيف لمن كان “ساحة لتسوية الحسابات” أن يصبح “منبراً للأخلاق”؟ كيف لمن أدار ظهره للندم أن يدير وجهه للكاميرا؟
العبرة أيها السيد ليست في “السرعة” التي أطلقت بها بودكاستك، بل في “البطء” الذي تعاني منه روحك عن التغيير. خرجت من هناك، لكن “هناك” لم يخرج منك. ومازلت تركض خلف الناس لتقول لهم “اسمعوني”، ونحن نقول لك: “لقد سمعناك كثيراً”. لكن هذه المرة، نسمعك لنضحك. فقط لنضحك. فلتستمر حلقاتك، فهي أفضل “كوميديا” تقدم هذه الأيام، وصدقني، نحن في حاجة إلى الضحك أكثر من حاجتنا إلى “الوعظ”. شكراً لك.

error: Content is protected !!