سقوط الخلافة بالمشرق واستمرار إمارة المؤمنين بالمغرب
ان الانهيار الذي حدث للإمبراطورية العثمانية بالشرق الأوسط في القرن العشرين بعد الحرب العالمية الأولى واستمر حتى الانهيار النهائي لها . يوم أعلنت الجمهورية التركية الحديثةوالتي قادها مصطفى كمال أتاتورك، التاريخ النهائي للدولة العثمانية وإنهاء الخلافة الإسلامية.
نجد في المقابل استمرار إمارة المؤمنين و الخلافة بالمغرب لحدود اليوم والتي يعود تاريخها إلى القرن الأول الهجري، حيث أسس المسلمون دولة الأدارسة في مدينة فاس عام 789 . وفيما بعد، تأسست دولة الموحدين في المغرب عام 1040 . ثم تأسست الدولة المرينية والدولة السعدية والدولة العلوية.
هذا الامتداد التاريخي والديني كان من بين الأسباب الرئيسة للحقد العسكري تجاه المملكة المغربية، بالاضافة إلى تأثر المواطن الجزائري بعلماء الدين المغاربة واللباس المغربي التقليدي المحتشم والصناعة المغربية والطرب الملتزم والآذان المغربي وحبهم وتعلقهم بالملوك المغاربة سواء محمد الخامس والحسن الثاني طيب الله ثراهما ، نظرا للفراغ الثقافي والروحي الذي تسبب فيه الإستعمار وقد استمر هذا التوثر بشكل مفتعل كذلك لاسباب سياسية وأمنية وصراعات حدودية توجت بحرب الرمال ومقولة ” حكرونا ” التاريخية .
العلمانية و الاستعمار الفرنسي
كان هدف الاستعمار الفرنسي طمس الموروث العثماني الاسلامي والثقافة المغربية بالجزائر استعدادا لجعلها مقاطعة فرنسية فتم فرض العلمانية كسياسة رسمية للدولة، وتم منع ممارسة الدين الإسلامي وغيره من الأديان في الأماكن العامة والمؤسسات الحكومية .
وظهر التيار الفرانكفوني الاستئصالي بالجزائر خلال الفترة الاستعمارية، وكانت هذه الحركة تتمثل في الترويج للثقافة واللغة الفرنسية على حساب اللغة العربية والأمازيغية وإظهار الحضارة الفرنسية استعدادا لضم الجزائر بصفة رسمية .
استفتاء 1962 وتطاحن أصدقاء الأمس
بعد الاستفثاء الذي هدف إلى تحديد مصير الجزائر، حيث كانت الخيارات المتاحة هي الاستقلال الكامل أو الانضمام إلى فرنسا كإقليم فرنسي آخر . وقعت جبهة التحرير وثيقة الاستقلال مع فرنسا .
عرفت الجزائر صراعا بين كتلتين رئيستين، “جماعة وجدة”، والتي ضمّت بن بلة وبومديان والعقيد الطاهر زبيري، ومجموعة “تيزي وزو” التي ضمت بوضياف وبلقاسم وحلفاءهما.
تطوّر الخلاف بين الطرفين إلى قتال عسكري حسمته “جيوش بومديان” التي نجحت في احتلال العاصمة، ونصّبت بن بلة رئيساً للدولة في 29 سبتمبر 1962، وعينت بومدين نائباً للرئيس ووزيراً للدفاع، والطاهر الزبيري رئيساً لأركان الجيش الجزائري.
حسمت هذه الخطوة الصراع لصالح الأصدقاء الحلفاء، لكنها فتحت الباب ليتطاحنوا لاحقاً على حُكم الجزائر.
الهواري بومديان مهندس الإلحاد بالجزائر
مات في ديسمبر 1978 مسموما بعد عودته من زيارة للعراق وسوريا . وكان بوخروبة
قد قاد انقلابا عسكريا للإطاحة بأحمد بن بلة للوصول الى الحكم .
وقام بجهود كبيرة لتحويل الجزائر إلى دولة اشتراكية والانحياز للشيوعية ومحاولة السيطرة على الدولة والقيام بحملات قمع ضد المعارضة.
رفض الهواري بومدين إدخال الأفكار الإسلامية إلى مشروعه السياسي، وكان حذرا حيال الحركات الإسلامية القادمة من الشرق و التي نجح في تطويقها وشلّها . بومديان كان يعلم حقيقة مدى تشبث الشعب الجزائري بالإسلام، وقد حاول تعويض مبدأ فصل الدين عن السياسة، فأعطى الضوء الأخضر لوزارة التربية لإدخال الدين في البرامج المدرسية وبالنص في دستور عام 1976م على المبدأ القائل “إن الإسلام دين الدولة” حفاظا على مصالحه مع دول المشرق العربي فقط .
نهاية الثمانينات وبداية الأزمة
عرف سعر البترول انخفاضا قبل نهاية الثمانينات وتوالت الأزمات الاقتصادية وخروج المواطن الجزائري للشارع للاحتجاج على الأوضاع المزرية ، أدت بالشادلي بن جديد بالقيام بعدة اصلاحات . حيث قام بإصلاح النظام الانتخابي وتوسيع دائرة الانتخاب وتحسين المشاركة السياسية والانتخابية . وأصبح في الجزائر لأول مرة أكثر من 50 حزبا ، ولكن الأكثر بروزا وانتصارا في كل ذلك، ظهور التيار الإسلامي على سطح الحياة السياسية، متمثلا في “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” . أُجريت انتخابات عامة في الجزائر حيث خاضت الجبهة الانتخابات التشريعية لاختيار مجلس الشعب يوم 26 في ديسمبر 1991، فحصلت فيها على 188 مقعدا من أصل 228 في المرحلة الأولى ، وجاء في المركز الثاني حزب جبهة القوى الاشتراكية بـ25 مقعدا، ثم حزب جبهة التحرير الوطنية الحاكم بـ16 مقعدا.
ويرى مراقبون كثر أن النظام الحاكم اعتبر أن هذا الفوز يمثل خطرا على مصالحه كما يهدد مصالح حلفائه الغربيين في البلاد، فتدخل الجيش وأطاح بالرئيس الشاذلي بن جديد يوم 11 يناير حين أجبره على الاستقالة. وأعلن الجيش يوم 12 يناير 1992 وقف العملية الديمقراطية بإلغائه الشوط الثاني من الانتخابات قبل موعد تنظيمه بخمسة أيام، لكي لا يحصل الإسلاميون على أغلبية البرلمان. وأسند الحكم إلى “المجلس الأعلى للدولة” الذي أنشأه وعين في رئاسته محمد بوضياف يوم 16 من الشهر نفسه.
وفي المقابل عاد من جديد ما يسمى “التيار الفرانكفوني الاستئصالي” داخل المؤسسة العسكرية، و ظل يدفع باتجاه المواجهة العسكرية ويرفض كل محاولات الحوار مع الإسلاميين الذي لا يرى حلا إلا باستئصالهم وإقصائهم من المشهد السياسي ضمانا لاستمرار المصالح فرنسا بالجزائر .
اغتيال بوضياف
حدث تاريخي مؤلم وقع في الجزائر في يوم 29 يونيو 1992، حيث تم اغتيال الزعيم الجزائري الشهير محمد بوضياف، الذي كان يعتبر واحدًا من أبرز رجال الدولة في الجزائر في ذلك الوقت من أوائل من خالف رغبة جبهة التحرير الوطني الجزائرية بالاستيلاء على الحكم بعد رحيل الفرنسيين . بوضياف كان يتحدث عن قيم الاسلام وأخلاقه في خطاباته ومواقفه العامة، وكان يرى أن الإسلام يجب أن يكون الأساس للدولة والمجتمع في الجزائر. ولم يكن يستخدم الدين كوسيلة للترويج لأي جدل سياسي، كان يؤمن بأن الدين يجب أن يكون محركًا لتحقيق العدالة الاجتماعية والديمقراطية في المجتمع، ” بوضياف ” كان يحظى بدعم من بعض القادة العرب والمنظمات العربية، بما في ذلك المغرب، و كان عاشقا للمغرب ومقيما بمدينة القنيطرة، وكان يعتبر بوضياف أن المغرب شريكًا إقليميًا مهمًا للجزائر . وهذا ما دفع النظام العسكري للتسريع باغتياله بعد قضائه 166 يوما فقط في الحكم .
انفجار الحرب الأهلية
عُرفت هذه الفترة بانتقام الجيش من المواطنين الذين صوتوا لصالح جبهة الانقاذ الاسلامية والقيام بمجازر في حق المواطنين الابرياء، بل وتسليح بعض العصابات لتشويه صورة الجبهة والحفاظ على مصالح النظام العسكري المقبور الذي منع التعبير عن الدين في الأماكن العامة والمدارس والجامعات،و للإشارة أصدرت قيادة الجيش في أبريل 1990 ( قبل الحرب الأهلية ) أمرا يقضي بمنع اللحية والحجاب في المستشفى العسكري بالعاصمة الجزائرية .
انفجرت الحرب الأهلية وتورط النظام العسكري بالمجازر ضد المدنيين، حيث أكد محمد سمراوي ضابط المخابرات الجزائري تلك الروايات، ويأتي بما هو أفظع وأدق من ذلك وهو الأقرب لصناع القرار وقتها ، حين يقول: ” كنا نعيشُ في جوّ هستيري دموي، واستشهد بتصريح للعقيد إسماعيل العماري (رئيس جهاز المخابرات) بلغ حدّا لا يُصدّق ، ظلّ منقوشا في ذاكرتي حتى اليوم، ففي شهر ماي 1992 وأثناء اجتماع بحضور العديد من ضباط المخابرات ، قال لنا العماري حرفيا : إني مستعد لقتل ملايين الجزائريين إذا تطلّب الأمر للمحافظة على النظام الذي يُهدده الإسلاميون. وأنا أشهد أنه كان في غاية الجدية” .
وكانت مذبحة حي “بن طلحة” 15 كيلومترا جنوب العاصمة نموذجا حيا لتورط النظام بجرائم ضد الانسانية والإبادة الجماعية ، حيث ذكر عبد الله يُوس في كتابه المثير للألم “من قُتل في بن طلحة ” والذي يسرد فيه معاناة أهل الحي وهو واحد منهم . يُكمل شهادته، ويقول إنه بعد المجزرة قرر الذهاب إلى المقبرة قائلا: “وتحدّثتُ مع الحارس الذي أسرّ لي أنه قبل المذبحة جاءه عسكريون وأمروه بحفر عدد من القبور، ثم جاء رجال الدرَك وطلبوا منه أن يقوم بردمها، وأخيرا وقبل يومين من المجزرة طلب العسكر منه إبقاء القبور مفتوحة. قال لي أيضا: إنه غداة المجزرة وفي الساعة الحادية عشرة والنصف صباحا، أحصى ما مجموعه 147 قبرا، وإن الناس قد دُفنوا فيها كيفما اتفق، امرأة مع رضيعها، عدّة أشخاص في قبر واحد”
وصول بوتفليقة للحكم
بعد إيقاف مسرحية الحرب الأهلية ووقف اطلاق النار سنة 1997 ، تم انتخاب عبد العزيز بوتفليقة 1999 ، بدعم من العسكر، وحاول الرئيس الجديد إعادة ترتيب الاوضاع الداخلية والأمنية بالجزائر ، الا أن سياساته ذات التوجه الاشتراكي فشلت في تنويع مصادر الثروة وتخليص الاقتصاد من الاعتماد على النفط والغاز .
حادثة اغتيال الرئيس ” بوضياف ” ظل درسا مهما لكافة الرؤوساء المتعاقبين على ” حكم ” الجزائر، لذا نجد عبد العزيز بوتفليقة ظل وفيا للعداء التاريخي غير المبرر ضد المملكة الشريفة و ظلت العلاقات مع المغرب متوترة إلى حد كبير طوال ولاياته الرئاسية .
دعم الجزائر للإنقلابات والجماعات المسلحة
كلما ارتفع ثمن البترول والغاز بالسوق العالمي، تنتعش خزائن النظام العسكري المستبد ليعود لدعم الانقلابات بالقارة الافريقية ليليها تفشي الفوضى وعدم الاستقرار وخلق بؤر التوتر و ظهور الإرهاب والجريمة العابرة للقارات ، بل وتقوم الجزائر بالسماح لهؤلاء الجماعات المتطرفة والإرهابية ( البوليزاريو، حزب الله، تنظيم القاعدة .. ) للمرور والاستقرار فوق أراضيها لزعزعة الأمن بالمنطقة عن طريق الاتجار بالأسلحة وتسهيل عمليات الاتجار بالبشر والاعتداءات الجنسية على النازحين من بلدان كانت الجزائر وبعض الدول المتقدمة سببا في خرابها .
لا يمكن للعالم أن يتجنب تهديدات الجزائر للأمن الدولي الا بعقوبات اقتصادية وسياسية مثل ما حدث مع ايران، كوريا الشمالية، فينزويلا، سوريا …، أو بانهيار هذا النظام العسكري المقبور وتغييره بنظام مؤسساتي يستند إلى القواعد والمؤسسات المحددة والمتفق عليها في المجتمع، والتي تنظم العلاقات بين الأفراد والمؤسسات، ويهدف إلى تحقيق تنمية مستدامة والسعي لتنفيذ مبدأ حسن الجوار .