حموشي والثورة الصامتة..إصلاح من الداخل واعتراف من الخارج

عندما وقّع الملك محمد السادس في 15 مايو 2015 على تعيين عبد اللطيف حموشي مديرا عاما للأمن الوطني، مع احتفاظه بمنصبه على رأس مراقبة التراب الوطني، لم يكن المشهد مجرد تبديل لوجوه إدارية، بل كان إعلانا عن ولادة جديدة لمؤسسة كانت تبحث عن قائد يعيد ترتيب بيتها من الداخل قبل أن يحلم بالتحديث. بلاغ الديوان الملكي لم يتحدث بالكليشيهات المعتادة عن “الثقة” و”التكليف”، بل استخدم لغة مختلفة: “دينامية جديدة”، “عصرنة أساليب العمل”، “التنسيق التام”، “الرفع من نجاعة الأداء”. كان واضحا أن الرؤية الملكية تريد رجلا لا يدير الأمن فقط، بل يعيد بناء هندسته الداخلية، ويجعل منه مؤسسة تسبق الأحداث، لا تواكبها.
لم يبدأ حموشي بخطابات نارية أو مؤتمرات صحفية، بل بفعل غير متوقع: ثلاثة أشهر فقط بعد توليه المنصب، جرى أداء 13.5 مليار سنتيم من متأخرات التسيير العالقة عن سنوات 2012 و2013 و2014. مستحقات الموردين، تعويضات التنقل، ملفات حظيرة السيارات… كل تلك القروح المزمنة في جسد المؤسسة كُويت دفعة واحدة. الرجل فهم أن الإصلاح لا يقوم على أرضية مبعثرة، وأن التحديث الحقيقي يبدأ من غرف الحسابات والمستودعات، لا من منصات التتويج. ثم توالت الإجراءات: إعادة هيكلة مديرية الميزانية والتجهيز، ربط الحكامة المالية بالنجاعة، ترشيد النفقات، وربط كل ذلك بمنطق المساءلة العلنية. بهذا وحده، استحق حموشي أن يقال عنه إنه أول مدير عام يفهم أن الأمن ليس مجرد قوة، بل إدارة.

ثم أتى الدور على البشر، فهم الرجل أن الموظف المحبط لا يمكنه أن يحمي المواطن. ففي 2016 أطلق واحدة من أكبر عمليات الترقية الاستثنائية في تاريخ الأمن الوطني، شملت نحو 14 ألف موظف. لم يكن رقما قياسيا مثلما كان رسالة: الكرامة المهنية خط أحمر، والحافز ليس منة بل حق. بالتزامن، بدأ العمل على نظام GESTARR لرقمنة دوائر الشرطة، فتحرر الشرطي من طوفان الأوراق، وأصبحت الشكايات والوثائق والخدمات تتبع إلكترونيا في ثوان. بهذا المزيج الذكي ترقية الموظفين ورقمنة العمل استطاع حموشي أن يضرب عصفورين بحجر واحد، تحفيز الداخلي وتطوير الخارجي في آن.

لكن المفارقة الأعمق كانت في البعد الحقوقي. فمنذ 2016، أشرف حموشي على إعداد مصوغة تدريبية جديدة في مجال الأمن وحقوق الإنسان بشراكة مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان. لم تكن مجرد دورة تكوينية، بل فلسفة كاملة أُدرجت في التكوين الأساسي والمستمر لجميع رجال الشرطة. ثم أعيد تنظيم 132 خلية للتكفل بالنساء ضحايا العنف، وطُورت آليات المراقبة المرتبطة بالحراسة النظرية، وتوجت هذه الدينامية باتفاقية إطار في 14 شتنبر 2022 مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان. في 2024، جاء الميثاق الجديد للتوظيف والتكوين الشرطي، مع استدعاء 9493 شرطية وشرطيا جديدا، واستفادة 13.248 موظفا من برامج التكوين المستمر. بهذا، أثبت حموشي أن الأمن القوي لا يتناقض مع احترام الحريات، بل هما وجهان لعملة واحدة اسمها الدولة الحديثة.

أما على مستوى الريادة العلمية، فتحت قيادته تحول المختبر الوطني للشرطة العلمية والتقنية من مجرد مصلحة مساعدة إلى بنية مرجعية معتمدة وفق المعيار الدولي ISO/IEC 17025، قبل أن يتوسع هذا الاعتماد ليشمل مختلف تخصصاته. وفي العالم الرقمي، أصبحت منظومة الهوية الرقمية المرتبطة بالبطاقة الوطنية الجديدة ركيزة للخدمات العمومية، وتوجت بجائزة “ريادة” في جيتكس إفريقيا 2024، ثم باتفاقية 5 ماي 2025 مع وزارة الانتقال الرقمي لتطوير الحكومة الإلكترونية. القيمة هنا ليست في التكنولوجيا لذاتها، بل في أن الأثر تجاوز حدود الأمن وصار جزءا من تحديث علاقة الدولة بالمواطن، وفق الرؤية الملكية التي جعلت الخدمة العمومية والثقة مدخلا للإصلاح.

في الميدان، لم يعد التحديث مسألة تجهيزات فقط. فخلال هذه المرحلة تعززت الشبكة الترابية للفرق الجهوية للأبحاث والتدخلات إلى 13 فرقة، إلى جانب الفرق المركزية للتدخل، وأحدثت 20 فرقة للاستعلام الجنائي والدعم التقني، وتوسعت قاعات القيادة والتنسيق، وفي سنة 2019 وحدها افتتحت 24 بنية أمنية جديدة. ومع تراكم هذه الخبرات، صار الأمن الوطني المغربي يحضر في المحافل الدولية ليس كمستورد للتجارب، بل كمصدر لنموذج مهني يجمع بين الحضور الميداني، والاستباق التكنولوجي، واحترام الحقوق.

ولعل المؤشر الأكثر دلالة على نجاح هذه القيادة هو ما حققته أيام الأبواب المفتوحة: فقد استقطبت دورة الجديدة سنة 2025 نحو 2.4 مليون زائر. ليس رقما جامدا، بل دليل على أن المواطن لم يعد يرى الشرطة كجهاز غريب أو مرهوب، بل كمرفق عام يرغب في لمسه وفهمه. وتؤكد ذلك الأرقام: الموجة الثامنة من البارومتر العربي تظهر أن ثمانية من كل عشرة مغاربة يعبرون عن ثقة كبيرة أو معتبرة في الشرطة، والنسبة نفسها ترى أن الدولة تقوم بعمل جيد أو جيد جدا في توفير الأمن والنظام.

  1. بعد عشرة أعوام من قيادة حموشي، لم تعد المديرية العامة للأمن الوطني مجرد إدارة عمومية، بل تجربة مغربية في الإصلاح الأمني باتت تفرض نفسها داخل الوطن وخارجه، وهذا وحده يكفي ليكون أعلى مراتب الإشادة برجل جعل من الشرطة قصة نجاح لا توقف لها.
error: Content is protected !!