تطوان بين مطرقة الإدمان وسندان تجار الموت… حين يصبح الهيروين والكوكايين أرخص من الحلم

تطوان7/عادل اسكين 

تلقيت العديد من الاقتراحات للكتابة حول موضوع المخدرات القوية، من قراء متفاعلين مع موضوع “الكتابة مستمرة… لأنكم أنتم الدافع. شكراً”.

ففي قلب تطوان، خلف الهدوء الظاهري والأزقة التي تحكي قصص العراقة، تتسرب مأساة بصمت أشد وقعا من صخب الشوارع. أزمة نفاد مخزون الميثادون ليست مجرد خلل في سلسلة الإمداد الطبي، بل هي انعكاس لحرب خفية يعيشها شباب المدينة يوميا حرب بين الرغبة في النجاة وأيادٍ خفية تدفعهم نحو الهاوية.

الميثادون، الدواء الذي كان للبعض آخر قشة تمسكوا بها للهروب من براثن الإدمان، أصبح اليوم نادرا. وبينما تتلاشى جرعات الأمل، تغرق بعض أحياء تطوان في مستنقع الموت البطيء: كوكايين، حشيش، أقراص مهلوسة، وأشدها فتكا… الهيروين، الذي زحف إلى المدينة منذ التسعينيات عبر بوابة سبتة المحتلة أو مهاجرين من خارج أرض الوطن، وما زال يحصد الأرواح ليوما هذا بلا رحمة. فكم من شاب لم يمهله هذا السم القاتل فرصة ثانية؟ كم من أم فقدت فلذة كبدها في صمت؟ وكم من أب ضاع طريقه بين مخافر الشرطة والمحاكم والمقابر والمستشفيات، وحتى “بويا عمر” الغير مأسوف على اغلاقه.

ورغم أن أجهزة الأمن الوطني بقيادة والي الأمن السيد محمد الوليدي والدرك الملكي باقليم تطوان، ومختلف المصالح الأخرى مشكورة على ما تبذله من جهود جبارة في مواجهة هذا الطوفان الأبيض والأسود يشهد لها بخفض معدلات الجريمة في إقليم تطحنه البطالة وتراجع الوضع الاجتماعي، فإن المأساة أكبر من أن تحسم بالاعتقالات وحدها. إنها تحتاج إلى معالجة اجتماعية وإعادة فتح الحوار الاجتماعي بتعاون بين الجمعيات المدنية ومراكز طب الإدمان والمصالح الأمنية والخبراء النفسيين والاجتماعيين وحتى السلطة الرابعة التي يجب أن تشارك بالأفكار ودعم هذه المبادرات ونشر التوعية.

ولعل الأرقام خير دليل على حجم التدخلات الأمنية ومى استفحال الآفة و المجهودات التي تبدلها الأجهزة الأمنية فقد تمكنت مصالح ولاية أمن تطوان وحدها في سنة 2024 من توقيف 15,421 شخصًا، بزيادة 13% عن السنة الماضية، من بينهم 12,139 موقوفًا في قضايا المخدرات. كما عالجت 36,340 ملفًا أحيلت إليها من طرف النيابة العامة وقضاة التحقيق، في إشارة واضحة إلى أن المعركة ضد المخدرات ليست عابرة، بل هي جزء من صراع يومي مستمر. بدأت حكايته عندما أعلنت مصالح الأمن بتطوان شن حملة غير مسبوقة على تجار المخدرات الصلبة في غابة “البينيا”، التي كانت نقطة سوداء حيث كان يباع كل شيء، وصولا إلى حملات أمنية واعتقالات واسعة داخل الأحياء والأزقة للمروجين وتجار المخدرات بكل أنواعها، وهو ما جعل تطوان مدينة آمنة يشيد بها الجميع.

لكن يجب أن نتوقف لحظة، فلا أحد يختار أن يكون تاجر مخدرات صغيرًا، إنها أحيانًا معركة بقاء حين يغلق الفقر كل الأبواب، ويصبح الانتحار فكرة أقرب إلى الأفراد من وظيفة شريفة لا تأتي، يجد بعض الشباب أنفسهم بين خيارات أحلاهما موت!!؟ إما الموت جوعًا، أو الغرق في دوامة الممنوعات، أو حتى الخيار الثالث حيث يموتون وهم يحاولون العبور إلى الضفة الأخرى، والأنكى من ذلك أن هؤلاء الباعة الصغار إما يتحولون من مدمنين إلى مروجين أو العكس، يسلكون طريقًا لا عودة منه إلا إلى القبور أو الزنازين.

ما يثير الرعب أكثر أن هذه السموم لم تعد مقتصرة على الأزقة الخلفية بشمال المغرب، بل بدأت تتسلل إلى الثانويات، إلى حيث مستقبل هذه المنطقة والوطن، شباب في مقتبل العمر أصبحوا أسرى تحت رحمة تجار الموت، الذين لا يرون في هؤلاء الضحايا سوى أرقام تزيد من أرباحهم، لكن الحقيقة المرة أن هؤلاء التجار الصغار ليسوا سوى بيادق في لعبة أكبر يتحكم فيها “البارونات”، الذين يعيشون خلف جدران محصنة من الأموال والفساد ..

ويا للمفارقة… في الوقت الذي تشهد فيه أوروبا ندرة الحشيش وارتفاع أسعاره بشكل قياسي نتيجة نجاح السلطات الحدودية بالمغرب في صد تصديره، يتم إغراق شمال المغرب بمخدرات أشد فتكا، متاحة بأسعار تجعلها في متناول الجميع،. ورغم نجاح مصالح الأمن بين الفينة والأخرى في إحباط إدخال الكوكايين وحجز كميات ضخمة في ميناء طنجة المتوسط وميناء الناظور، فإن هاتين النقطتين لا تزالان سوداوين، حيث ينجح المهربون في إدخال المخدرات الصلبة رغم الحصار، كما بدأت المناطق الوسطى للمملكة، من سواحل الدار البيضاء إلى جنوب المملكة، تشهد نقاطا سوداء، حيث لفظت الأمواج أكياسا للكوكايين الصلب أكثر من مرة.

إن الحديث عن مكافحة الإدمان دون تفكيك هذه الشبكات الكبرى وتجفيف منابعها هو مجرد محاولة يائسة لمعالجة أعراض مرض سرطاني خبيث بجرعة باراسيتامول. فالأمر يتطلب أكثر من اعتقال بائع صغير هنا أو هناك. إنه يحتاج إلى استراتيجية شاملة تحاصر منابع التهريب، وتفتح في المقابل أبواب الأمل أمام الشباب. لأن حماية مستقبل تطوان ونواحيها وقراها المجاورة ووطننا ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية والحدودية وحدها، بل هي مسؤولية الجميع.

في النهاية… حين يصبح الهيروين والكوكايين وغيرهما أرخص من الحلم، فإننا أمام مأساة تتجاوز الأرقام والإحصاءات. إنها حرب تُخاض في الظل، ضحاياها شباب كان يمكن أن يكونوا بناة مستقبل هذه المدينة وهذا الوطن. ويبقى السؤال الحقيقي: متى نستيقظ قبل أن يفوت الأوان؟

error: Content is protected !!