حين تتحول الإدارة إلى أداة للتشهير..هل أتاك حديث ناظر الأوقاف بتطوان

في قلب مدينة تطوان، حيث يفترض أن تتماهى المؤسسات مع مبادئ الحكامة الرشيدة وروح العدالة الإدارية، تلوح في الأفق سحب كثيفة من الريبة والقلق، مصدرها هذه المرة ليس إشاعة طارئة أو وشاية عابرة، بل ممارسات متواترة صادرة عن مؤسسة يُفترض فيها أن تكون قدوة في النزاهة “نظارة الأوقاف”.

في ردهات هذه الإدارة، لا تتداول القصص في المقاهي ولا في الحمامات الشعبية، بل تحرر على شكل شكايات مفبركة، تنسج خيوطها في مكاتب مغلقة، وتطبخ على نار الكيد وتصفية الحسابات، أحاديث لا تستند إلى نصوص قانونية، ولا ترتكز إلى معايير الانصاف، بل تحركها أهواء شخصية وتوجهات تبتعد كل البعد عن المصلحة العامة.

تحولت نظارة الأوقاف بتطوان، حسب معطيات موثقة، إلى ما يشبه منصة افتراضية، ليس على “فيسبوك” أو مواقع التواصل، بل في الواقع الإداري، حيث يتم بناء قرارات فعلية بناء على شكايات مجهولة المصدر، لا تحمل توقيعا ولا تنتمي إلى إطار قانوني معلوم، لكنها قادرة  بقدرة قادر على تغيير مصائر الناس، والتأثير على أرزاقهم، وتشويه سمعتهم.

ومن بين الحالات الصادمة، تبرز قضية مستثمر مغربي عاد من إسبانيا، لا ليبحث عن منصب أو جاه، بل بدافع وطني صرف، ليستثمر في مشروع فلاحي إلى جانب شركاء مغاربة. غير أن هذا الحلم لم يدم طويلا، إذ وجد نفسه وسط زوبعة إدارية مفتعلة، قوامها شكاية من جمعية وهمية تتهمه بتبييض الأموال، مدعية أن نظارة الأوقاف سهلت له هذه العمليات، ورغم أن هذه الشكاية لا تستند إلى أي دليل، بل ولا تملك هذه الجمعية وجودا قانونيا فعليا، إلا أنها كانت كافية لتستعمل ضده كسلاح إداري ووسيلة تشهير، دون أن يمنح أدنى فرصة للدفاع عن نفسه.

والأدهى من ذلك، أن البحث الذي قمنا به حول الجمعية التي تقف وراء الشكاية، من خلال محركات البحث على الإنترنت، لم يسفر عن أي نتائج تؤكد وجودها الفعلي أو القانوني، لا مقر معروف، ولا أنشطة موثقة، ولا أثر لها في قواعد البيانات الرسمية للجمعيات، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول شرعيتها، ويعزز الشكوك بشأن فبركة الشكاية واستعمالها كأداة ضغط في صراع إداري داخلي لا علاقة له بالمصلحة العامة.

الأخطر في هذه الواقعة، أن التظلم الموجه إلى عامل تطوان يشير صراحة إلى أن الشكاية لم تكن سوى نتاج تواطؤ داخلي، حيث تظهر طريقة تحريرها، توقيتها، وطريقة تسريبها، أن مصدرها المحتمل ليس سوى داخل الإدارة نفسها، فهل نحن أمام فبركة مدروسة تهدف إلى تدوير داخلي للتهم وصناعة صراعات مفتعلة بين الموظفين؟

ناظر الأوقاف في تطوان، وفق ما ورد في الشكاية، لم يكتف بدوره الإداري، بل تجاوز صلاحياته ليتحول إلى محقق ومشهر.. في آن واحد. لم يحل الشكاية إلى الجهات المختصة أو يطلب توضيحا من المعني، بل تولى بنفسه إعادة صياغة التهم وتضمينها في مراسلة رسمية وزعت على أعوان النظارة، في سلوك لا ينسجم مع أبسط القواعد المهنية والأخلاقية للإدارة.

أما وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، فتكتفي كما جاء في شهادات متعددة بسماع الرواية التي يروجها الناظر، دون تمحيص أو فتح تحقيق نزيه، ويكفي أن يرفع هذا الأخير سماعة الهاتف، ليُملي على الإدارة المركزية ما يريد، فتتخذ قرارات حاسمة تمس حياة المواطنين بناء على رواية أحادية، دون استماع للطرف الآخر، ودون مراعاة لحق الدفاع، وكأن قواعد المسطرة الإدارية لم تعد سارية المفعول.

أمام هذا الواقع المقلق، تصبح الإدارة، بدل أن تكون ضامنة للعدالة الإدارية، أداة لتصفية الحسابات، وساحة لمعركة خفية تتخذ من المراسلات والشكايات سلاحا لتقويض الثقة في المؤسسات، وتلحق الأذى بمواطنين اختاروا أن يضعوا ثقتهم في وطنهم ومؤسساته.

فهل يليق بمؤسسة بحجم وزارة الأوقاف أن تختزل في تصرفات فرد واحد؟ وهل من المقبول أن يصبح المواطن الشريف، خاصة من أفراد الجالية المغربية الذين استجابوا لنداء الوطن، ضحية مزاج مسؤول يستغل سلطته؟ أسئلة مشروعة تنتظر تدخلًا عاجلًا من الجهات الوصية، قبل أن تتوسع رقعة الضرر، ويُهدر حق من لا ظهير له سوى القانون.

يتبع

error: Content is protected !!