ناظر الأوقاف بتطوان “الفقيه اللي استنّينا بركتو، دخل للجامع ببلغتو” (الحلقة2)
في مدن مثل تطوان، حيث تتقاطع الذاكرة التاريخية مع أسئلة الحاضر، تبرز من حين لآخر وقائع إدارية تستوقف المراقب والمتتبع، لا لغرابتها، بل لما تحمله من دلالات حول علاقة المواطن بالإدارة، وحول كيفية تنزيل النصوص القانونية وتأويلها.
خلف أبواب مؤسسات يفترض فيها الاستقلال والنزاهة، يطفو أحيانًا ما يمكن وصفه بـ”الانتقائية التأويلية” في تطبيق القوانين، وهي ممارسة تثير التساؤل أكثر مما تقدم الجواب، من بين هذه المؤسسات، تبرز إدارة الأوقاف بتطوان، حيث تطرح بعض الحالات المعروضة على أنظار الرأي العام المحلي جملة من الأسئلة الوجيهة.
من بين تلك الحالات، ما وقع لمواطن مغربي مقيم بألمانيا، ظل لما يفوق عقدًا من الزمن ملتزمًا بأداء واجباته الكرائية تجاه إدارة الأوقاف، دون تأخير أو إخلال، ومع ذلك، وجد نفسه أمام إشعار بالإفراغ، بدعوى عدم طلبه تجديد العقد في الآجال المطلوبة، رغم أن القانون وفق مقرر إداري أحدث يلزم الجهة المالكة بإشعار المكترين قبل ستة أشهر من نهاية العقد، وهو ما لم يتم في حالته، هذه الواقعة تفتح الباب أمام النقاش حول كيفية تنزيل التعديلات القانونية، ومدى توحيد المعايير في التعامل مع المواطنين.
لكن المفارقة الأبرز، والتي تستقى من وثائق متداولة وشهادات محلية، تتعلق بحالة مرآب في قلب المدينة تطوان ، جدد عقده دون حضور المستفيد، ودون وكالة قانونية، رغم أن المعني متواجد خارج أرض الوطن منذ سنوات مبحوث عنه في قضايا تتعلق بالاتجار الدولي للمخدرات “لنا عودة للموضوع بشكل مفصل ” ورغم هذه المعطيات، تم توقيع عقد التجديد، بل والإذن بالإصلاح، حسب روايات متطابقة بشكل يثير الاستغراب، خاصة إذا ما قورن ذلك بالتشدد الذي طبق في الحالة السابقة.
هذه التفاوتات في المعالجة الإدارية لا ترقى إلى مستوى الاتهام، ولكنها تدعو، بوضوح، إلى فتح نقاش مؤسساتي حول مدى انسجام القرارات الصادرة عن إدارة الأوقاف بتطوان مع روح القانون، ومبدأ المساواة أمام المرفق العام، ومدى التزامها بالتحديث القانوني الذي طال منظومة تدبير الأملاك الوقفية.
إن ناظر الأوقاف، باعتباره المسؤول الإداري الأول عن تدبير هذه الأملاك، يوجد اليوم أمام لحظة مساءلة قانونية وأخلاقية غير قضائية تستوجب توضيح أسس اتخاذ بعض القرارات، وتقديم معايير واضحة وموحدة تحكم العلاقة بين المؤسسة والمرتفقين، خصوصًا في ظل تنامي الوعي الحقوقي لدى الجالية المغربية بالخارج، والتي تمثل رافعة مهمة في الاقتصاد الوطني.
فالقضية لا تتعلق بأسماء، بقدر ما تتعلق بثقة، والثقة لا تبنى إلا عبر شفافية القرارات، والعدالة في التأويل، والمساواة في التنفيذ وكل انحراف عن هذه القيم، حتى وإن بدا إداريًا بحتًا، فإنه يلقي بظلاله على صورة المؤسسات، وعلى قدرة الدولة في ضمان الإنصاف على مستوى الممارسة اليومية.
يتبع