بين الرؤية التنموية واستحقاق 2026، دعوة ملكية لتعاقد وطني جديد
تطوان7/عادل أسكين
في خطابه السامي بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش المجيد، وجه جلالة الملك محمد السادس رسائل واضحة وعميقة، تعيد ضبط إيقاع المرحلة وتضع لبنات تعاقد جديد بين الدولة والمجتمع. فقد كان لافتًا أن الملك اختار أن يُعطي الأولوية للنموذج التنموي الجديد، لا كمجرد وثيقة مرجعية، بل كمسار فعلي يترجم الطموح المغربي المشروع نحو دولة صاعدة، منصفة، ومتكاملة الأركان.
لقد أبرز الخطاب الملكي أن ما تحقق من منجزات اقتصادية في السنوات الأخيرة لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة رؤية استراتيجية طويلة المدى، تستند إلى استقرار مؤسسي ووضوح في الاختيارات. غير أن الملك، كعادته، لا يكتفي بالإشادة، بل يسائل جدوى هذا النمو على المستوى الاجتماعي، حين أكد بشكل صريح. “لن أكون راضيا مهما بلغ مستوى التنمية الاقتصادية والبنيات التحتية، إذا لم تساهم بشكل ملموس في تحسين ظروف عيش المواطنين.”
هذه العبارة تختصر جوهر النموذج التنموي الجديد، أن يكون الإنسان في قلب التنمية، وأن تسهم التحولات الاقتصادية في تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية. ولهذا دعا جلالته إلى الانتقال من مقاربات تقليدية للتنمية إلى مقاربة ترابية مندمجة، تثمن خصوصيات كل جهة وتوظف إمكاناتها المحلية في خلق الثروة وتكريس العدالة المجالية. وهي دعوة صريحة إلى “مغرب الجهات” بدل “مغرب المركز”.
ولأن كل مشروع تنموي يحتاج إلى تأطير سياسي ومؤسساتي متجدد، جاءت الإشارة الملكية لمحطة الانتخابات التشريعية المقبلة سنة 2026 لتعيد الاعتبار لروح التعددية والاختيار الديمقراطي. فقد أكد جلالته ضرورة توفير الإطار القانوني والمؤسساتي المنظم لهذه الاستحقاقات قبل نهاية السنة الجارية، داعيا وزير الداخلية إلى فتح باب المشاورات مع الفاعلين السياسيين.
هنا، تبرز أهمية التفاعل الإيجابي بين الإرادة الملكية والفاعل الحزبي. فالمطلوب اليوم ليس فقط انتخابات في وقتها، بل انتخابات تسترجع ثقة المواطن وتفرز نخبا قادرة على تنزيل المشروع التنموي الجديد، ومواجهة تحديات العجز المجالي، والتغيرات المناخية، وتعزيز الحماية الاجتماعية.
إننا أمام لحظة مفصلية في التاريخ السياسي والتنموي للمغرب، لحظة تقتضي من الجميع أحزابا، مؤسسات، نخبا ومواطني، التحلي بالجدية وروح المسؤولية، وتجاوز الحسابات الضيقة نحو أفق وطني أوسع. فالرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تجويد النصوص أو تحديث البنيات، بل في ترسيخ ثقافة الإنصات، والمسؤولية، وربط القول بالفعل.
قد تكون سنة 2026 موعدا انتخابيا، لكنها أيضا فرصة لامتحان صدق الانخراط الجماعي في المشروع الوطني الكبير الذي رسم معالمه جلالة الملك.