طبيعة المسؤولية الطبية وفق منظور القضاء الإداري

بقلم الطالبة الباحثة بسلك الدكتوراة:رندة الحداد

بقلم الطالبة الباحثة بسلك الدكتوراة :رندة الحداد

المسؤولية الطبية تعني تحمل الطبيب لتبعات وأخطاء ممارسته المهنية الطبية، والتي قد تتسبب في ضرر للمريض. وتعتبر المسؤولية الطبية من أدق المواضيع وأكثرها تشعبا وتعقيدا، على اعتبار أن هذه المسؤولية تختلف من حيث أساسها عما إذا ارتبطت بالقطاع الخاص أو القطاع العام، كما أنها تتنوع من حيث مظاهرها وتجلياتها بين مسؤولية الطبيب أو الممرض وبين

 

مسؤولية المرفق الصحي أو المستشفى باعتباره مؤسسة علاجية. ويزيد من تعقيد الموضوع اختلاف التوجهات القضائية في تحديد مظاهر هذه المسؤولية وطبيعتها،وسيتم من خلال هذا المقال طرح بعض الاشكالياتالمرتبطة بالمسؤولية الطبية للمرفق الصحي مع استبعادمن مجال التدخل مسؤولية الطبيب في القطاع الخاص التي يكاد يجمع الفقه والقضاء على أنها مسؤولية عقدية قوامها العقد الطبي الذي يؤسس لالتزام تبادلي بين الطبيب وزبونه، سيما وأن هذه المسؤولية هي ذات طابع مدني تختص بها المحاكم العادية.

وجدير بالذكر أن هذا الموضوع أخذ يكتسي أهمية أكبر بعد إقرار الدستور الجديد، الذي ارتقى بمضمونه من الحقوق الفردية والجماعية إلى حقوق دستورية بل ونص على وجوب الحرص على إيصال هذه الحقوق إلى أصحابها، عبر اتخاذ كافة الاجراءات وتعبئة كافة الامكانيات المتاحة لدى الدولة وباقي المؤسسات العمومية لتحقيق هذه الغاية. ولاشك أن من ضمن هذه الحقوق الحق في العناية الصحية مما سيلقى على عاتق هذا المرفق الصحي مسؤولية أكبر في هذا المجال وسيوسع من نطاق ومجال مساءلته.

إن تحديد الطبيعة القانونية للمسؤولية الطبية ليست لهاأهمية نظرية فحسب، بل تكتسي أيضا أهمية عملية تتجلى في تحديد الجهة المختصة للنظر في الدعاوى المرتبطة بهذه المسؤولية، كما يكتسي أهمية في تحديد مفهوم الخطأ الذي يشكل أساس المسؤولية في أفق تقرير هذه الاخيرة أو نفيها، الامر الذي يستدعي التمييز بين الخطأ الطبي الشخصي والمرفقي وكذا بين الخطأ في العلاج؛

فمن خلال استقراء مجموعة من الاحكام والقرارات القضائية الصادرة عن مختلف محاكم المملكة، يلاحظ أنها لا تعير الاهتمام لتكييف الخطأ الطبي هل هو خطأ شخصي أو مرفقي، بل أن معظم الاحكام تنحو نحو إقرار المسؤولية المرفقية، ويمكن التدليل على ذلك بالقرار الصادر عن محكمة الاستئناف الادارية بالرباط بتاريخ 2010/06/21 تحت عدد 1195 في الملف عدد 6/08/516، فبعد أن نفت المحكمة الخطأ عن الطبيبة المعالجة بعلة أن التزام الطبيب المعالج هو ببذل عناية وليس بتحقيق نتيجة، اعتبرت أن مسؤولية المرفق تظل قائمة، إذ جاء في إحدى حيثياته ما يلي: “وأنه في غياب ذلك، يكون المرفق الاداري هو الجهة المسؤولة عن الاضرارطالما أن الضرر الذي مني به الضحية المذكور تم داخل إحدى المستشفيات التابعة للدولة نظرا لعدم قيامه بالواجب على الوجه المطلوب وهو ما ذهب إليه الحكم المستأنف عن صواب“.

 

ولعله من نافلة القول التذكير بأن الخطأ الشخصي يتميز عن الخطأ المرفقي بكونه ذلك الخطأ الذي يرتكب من طرف الموظف أثناء تأدية مهامه أو بمناسبتها، إلا أنه يكتسي درجة من الخطورة أو الجسامة تجعله ينفصل عن الوظيفة ككل أو ينفصل عنه معنويا فقط. فلابد من التمييز عند إقرار المسؤولية الطبية، باعتبارها مظهرا من مظاهر المسؤولية، بين الخطأ الطبي الشخصي الذي تحكمه مقتضيات المادة 80 من قانون الالتزامات والعقود وبين الخطأ المرفقي الذي تحكمه مقتضيات المادة 79 من نفس القانون.

 

ولهذا التمييز أهمية خاصة، سواء فيما يتعلق بتحديد جهة الاختصاصعلى اعتبار أن القضاء الاداري ينظر في الدعاوى التي تهم المسؤولية المرفقية دون المسؤولية الشخصية للموظف والتي تظل من اختصاص القضاء العادي. أو فيما يتعلق بتحديد طبيعة المسؤولية والجهة المخاطبة بها.

إن المسؤولية الطبية قد يكون مردها إلى خطأ يعزى إلى الطاقم الطبي، وذلك من خلال مجموعة من المظاهر، سواء تعلق الامر بخطأ في العلاج أو خطأ في التشخيص أو خطأ في بذل العناية اللازمة أو غيرها، وبين خطأ المرفق الطبي الذي يقصد به تقصير في وسائل العلاج أو بطء في أداء الخدمة أو قصور في عمل المرفق بوجه عام. ولعل أهمية التمييز بين هذين الخطأين تكمن في ضرورة تحديد الجهة المسؤولة عن الضرر، لكون هذا التحديد سيجعلنا نقف على طبيعة الخطأ الواجب قيامه لإقرارهذه المسؤولية. ونعني بذلك أن مسؤولية الطبيب المعالج أو مساعديه تختلف من حيث طبيعتها ومظاهر الخطأ المرتب لها عن مسؤولية المرفق الطبي. غير أنه برغم أهمية هذا التمييز يلاحظ أن معظم الاحكام التي صدرت في مادة طبيعة المسؤولية الطبية عن جهة القضاء الاداري لا تعيره ما يستحق من اهتمام.

كما أن معظم الآراء الفقهية والتوجهات القضائية التي تطرقت إلى المسؤولية الطبية قد اتفقت في البداية على أنها مسؤولية قوامها بذل العناية اللازمة وليس تحقيق نتيجة. وهذا التوجه قد كرسه القضاء المغربي قبل إحداث المحاكم الإدارية وبعد إحداثها، سواء كان يبحث في المسؤولية الطبية المدنية أو الإدارية، من ذلك القرار الصادر عن محكمة الاستئنافبفاس بتاريخ 1979/12/21 تحت عدد 79/3551 في الملف المدني عدد : 11752 والمنشور بمجلة المعيار عدد 15 ص 123 وما يليها: إن الأعمال التي يقوم بها الطبيب تجاه مريضه تقتضي طبيعتها المهنية انتفاء أي قصد لديه للإضرار بهذا المريض، وأن مسؤولية الطبيب ليست مفترضة ولا تقوم على مجرد المخاطر بل لا بد من إثبات خطأ الطبيب المهني وكون هذا الخطأ هو السبب المباشر في حصول الضرر اللاحق بالمريض. وكذا القرار الصادر عن محكمة النقض بتاريخ 2001/05/31 تحت عدد 2149 في الملف المدني عدد 00/1081 والمنشور بمجلة الإشعاع عدد 25 ص 171 وما يليها:مسؤولية الطبيب لا تنعقد إلا بثبوت إهمال من طرفه يستخلص من وقائع

 

قاطعة وواضحة تتنافى مع الأصولالعلمية الثابتة في علم الطب“. ويلاحظ في السنوات الأخيرة أن عدة قرارات قضائية صادرة عن المحاكم الإدارية تتجاوز هذا الإطار، وتقيم المسؤولية على خطأ مفترض لمجرد وجود ضرر أصيبت به الضحية، مما يعني أنها من الناحية العملية والواقعية تقيم المسؤولية على أساس النتيجة، وتحاول أن تبرر لها من خلال القول بأن الضرر ما كان ليتحقق إلا لوجود إخلال في بذل العناية. ومن نماذج هذه التوجهات القضائية، ما ذهب إليه القرار الصادر عن محكمة الاستئناف بالرباط والذي جاء في حيثياته ما يلي: “وحيث إنه من جهة أخرى فإنه مما لاينازع فيه الطرف المستأنف أصليا أن الأضرارالجسمانية التي تعرض لها الطفل القاصر ….. والمتمثلة في إصابته بشلل نصفي على مستوى رجله اليمنى مردها إلى حقنة الدواء التي استعملت له بتاريخ 2005/10/07 بمستشفى …. مما يجعل الأضرار التي تعرض لها الحدث المذكور تعد خطأ مرفقيا كما جاء في تنصيصات الحكم المستأنف عن صواب، فإن الاتجاهيذهب إلى القول أنه ليس من المفروض أن يكون الخطأ المرفقي على درجة كبيرة من الجسامة بل تجد المسؤولية سندها اعتماد فكرة الخطأ الواضح، المؤسس على الاحتمال والافتراض وليس على الحسم واليقين في بسط حقيقة علمية يمكن للقضاء أن يعتمدها كقرينة قوية يضيفها إلى القرائن الأخرى التي يمكن أن يستنبطها من ظروف وملابسات القضية المعروضة أمامه للوقوف على الخطأ الطبي الذي قد يكون السبب المباشر في حصول الضرر للمريض، وأن الخطأ الطبي في نازلة الحال يتمثل في حقن الطفل المريض بحقنة دواء نتج عنها شلل نصفي، علما أنه لم يكن يعاني من هذه الإصابة قبل دخوله للمستشفى المذكور فكان ما أثير في هذا الشق غير مؤسس“.

 

ويتضح أن هذه الحيثية أصلت للمبادئ التالية: قيام الخطأ الطبي على أساس مفهوم الخطأ الواضح المؤسس على الاحتمال والافتراض وليس على الحسم واليقين، اعتبار أن الضرر ناجم عن الحقنة، لمجرد أن الطفل كان قد راجع المستشفى دون أن يكون مصابا بأعراض الشلل المذكور وذلك دون البحث في الملف الطبي للضحية لمعرفة حالته الصحية وما إن كان الشلل يعود إلى سبب آخر أو أنه من المضاعفات التي تترتب عن حالته المرضية وليس بسبب الحقنة التي عولج بها.

 

ويلاحظ أن هذا القرار قد وضع مفهوما جديدا ومستحدثا للخطأ الطبي أسماه الخطأ الواضح دون تعريف لطبيعة هذا الخطأ أو تأصيل له. كما أن المحكمة اعتبرت أن الاتجاه الحديث يذهب إلى القول أن المسؤولية الطبية تقوم على مجرد الاحتجاج والافتراض، دون أن تبين أصول هذا التوجه وأسسه وتبرر له في حين أن الحكم يجب أن يتضمن مبرراته ومؤيداته حتى يكون حكما سليما. غير أن التوجهات السائدة حديثا سواء في الفقه المقارن أو القضاء، تؤكد أنه ليس هناك من توجه حديث يقيم المسؤولية الطبية على أساس ما أسمته المحكمة “مجرد الاحتجاج والافتراض“، ذلك أن مسؤولية المرفق الطبي تقوم على عناصر ثلاثة هي الخطأ والضرر والعلاقة السببية. وأن التزام الطبيب ليس قوامه تحقيق نتيجة، بل بذل العناية الممكنة وفقا للمعايير الطبية المتعارف عليها ولما هو متاح له من الإمكانيات. وهو ما ارتأى المشرع الفرنسي أن يكرسه في نص تشريعي جسده القانون الصادر بتاريخ 2002/03/04 الذي سطر المبدأ العام في مجال المسؤولية الطبية وذلك في المادة 1142 فقرة 1 و 2 من مدونة الصحة العمومية والذي ورد فيه ما يلي: “مهنيو الصحة، المؤسسات، والمصالح والتنظيمات التي تمارس أعمال الوقاية والتشخيص والعالج لا يسألون عن النتائج الضارة بسبب أعمالهم إلافي حالة ثبوت الخطأ.


يتضح أن العمل القضائي يتأرجح في إقرار مسؤولية المرفق الصحي بين نظرية المخاطر ونظرية الخطأ مفترضا أو واجب الاثبات، ويقضي في جميع الأحوال بإجراء خبرة لتحديد الخطأ الطبي والتعويض المستحق عن الضرر، ويجنح في أغلب الحالات إلى إلباس المسؤولية الشخصية لباس المسؤولية
الإدارية، وبذلك يتحول الخطأ الشخصي إلى خطأ مرفقي، وهو أمر منتقد بحيث وجب تحميل المسؤولية الشخصية للطبيب في حالة الخطأ الجسيم حتى لا يشعر بوجود مظلة تقيه تحمل نتائج الأخطاء المهنية الجسيمة التي يرتكبها ويتحمل المرفق الصحي تبعاتها بدلا منه. كما أن المسؤولية الطبية هي من المجالات التي يتقاطع فيها القانون بمجال تقني شديد الدقة والخصوصية، مما يتطلب مزيدا من البحث والتدقيق في الإشكالات التي تطرحها هذه المسؤولية مع تكاثف جهود المتدخلين في هذا المجال سواء من أطباء ومتخصصين وقانونيين.

error: Content is protected !!