هشام جيراندو..نرجسي مريض يبيع الوهم العتيق في سوق الأكاذيب الرخيصة
تحول الرجل الذي ظل سنوات يروج لنفسه باعتباره “الضجيج المزعج” في وجه السلطة، إلى مجرد مشهد يبعث على الأسى المهني أكثر مما يثير أي جدل حقيقي. هشام جيراندو، الذي راهن على بناء شهرته من أنقاض الكذب، اكتشف اليوم أن الجمهور المغربي لم يعد ذلك المتلقي الساذج الذي كان يبتلع الأكاذيب دون تمحيص. لقد تحول من “صانع رأي” مزعوم إلى “مادة دسمة” لفضائح تتوالى، والصحافة المغربية لم تعد تكتفي بتكذيبه، بل حولته إلى نموذج يُدرس في معاهد الإعلام تحت عنوان: “كيف تسقط من قمة الوهم إلى قاع السخرية”.
في أحدث محطات انهياره، نشر جيراندو صوراً زعم أنها توثق “كتابات حائطية حديثة” تعكس غضباً شعبياً صامتاً ضد النظام. لكن سرعان ما انكشفت الحيلة حين تبين أن هذه الصور تعود إلى سنة 2012، أي إلى أكثر من 13 عاماً، وأنها منشورة أصلاً على مواقع مغربية قديمة، وأن ملفها القضائي أُغلق منذ زمن بعيد. لم يكن الأمر مجرد خطأ كما يحاول البعض تبريره، بل هو تضليل متعمد، ومحاولة يائسة لصناعة “حدث” من لا شيء، وفضيحة كاملة الأركان أظهرت أن الرجل يبيع الوهم بثمن بخس.
من منظور علم النفس، يكشف سلوك جيراندو عن نمط كلاسيكي من اضطراب النرجسية المرضية في أقصى تجلياته. إنه نموذج حي لـ”المضطهد المزيف” الذي يعيش في وهم المؤامرة الدائم، ويحتاج إلى تغذية مستمرة للشعور بالأهمية عبر خلق أعداء وهميين. الرجل لا يؤمن بما يقوله، بل يؤمن بحاجته لأن يقال عنه شيء، أي شيء، المهم ألا يختفي اسمه من دائرة الضوء. هذا الهوس بالظهور، وهذا الخوف المرضي من النسيان، يدفعانه إلى استيراد الصور العتيقة والفيديوهات المسروقة، وإعادة تدويرها وكأنها “حقائق صادمة”.
إنه يعاني مما يسمى في علم النفس بـ”جنون العظمة التمثيلي”، حيث يختلط لديه هوس الاضطهاد برغبة جامحة في التمثيل أمام الجمهور. كل خرجة له هي “مسرحية” من فصل واحد، بطلها هو بالطبع، وضحيتها المؤامرة المزعومة. لكن المشكلة أن نصه المسرحي أصبح متوقعاً، وفضائحه أصبحت نموذجاً متكرراً، والجمهور الذي كان يصفق له بالأمس، يضحك عليه اليوم.
اللافت في حالة جيراندو أنه تجاوز مرحلة الكذب العادي إلى مرحلة متقدمة من “الإدمان على التضليل”. عالم النفس الشهير بول إيكمان يصف هذه الحالة بأنها “مرحلة التماهي مع الكذبة”، حيث يبدأ الكذاب في تصديق رواياته الخاصة، فيفقد القدرة على التمييز بين الحقيقة والخيال. هذا يفسر لماذا يصر جيراندو على إعادة نفس الأساليب البالية رغم افتضاحها مراراً: إنه أسير سجنه النفسي، محبوس داخل قصة ألفها عن نفسه كـ”صوت معارض لا يرحم”.
لكن الأكثر خطورة هو ما يكشفه سلوكه عن “انعدام التعلم من التجربة” في علم النفس، هذه علامة حمراء تشير إلى اضطراب في وظائف التنفيذ العليا للدماغ. الرجل لا يستوعب أن كذباته السابقة دُحضت، وأن صوره فضحت، وأنه أصبح مثار سخرية. بدلاً من ذلك، يواصل بنفس الآلية، وكأنما هو آلة تكرار معطلة، تلفظ نفس الأكاذيب بجرعة مضاعفة، ظناً منه أن الكذبة إذا تكررت ألف مرة ستصبح حقيقة. لكن المغرب اليوم ليس ذلك المكان الذي تنجح فيه هذه الوصفات القديمة.
ربما الأكثر إيلاماً ليس الكذب نفسه، بل التخفي الدائم تحت عباءة “النضال”. جيراندو يمارس أسلوباً قذراً: كل كذبة يفضحها الصحافيون يخرج ليصرخ بأنه “مستهدف” و”مضطهد”. إنها خدعة نفسية قديمة، الالتفاف على النقد باتهام الناقد. لكن هذه المرة، الحيلة لم تعد تنطلي. الجمهور المغربي، بوعيه المتصاعد، بات يميز بين الناقد الحقيقي الذي يقدم أدلة، والمهرج الرقمي الذي يقدم أوهاماً.
جيراندو لم يسقط لأن أحداً حاربه، بل سقط لأنه راهن على النسيان، على غباء المتلقي، وعلى خلط الأوراق بين المعارضة المشروعة والتضليل الممنهج. سقط لأنه ظن أن حرية التعبير تعني حرية الكذب.
اليوم، لم يعد هشام جيراندو يثير في أحد غير الشفقة، ذلك الشعور بالأسى حين ترى إنساناً يهدم نفسه بيديه، خرجة بعد خرجة، وكذبة بعد كذبة. الرجل الذي باع الوهم، اكتشف أن السوق لم تعد بحاجة إلى أوهامه. انكشف القناع، فلم يبق سوى شخص يحاول جاهداً أن يقنعنا بأنه لا يزال هنا… متناسياً أن “البقاء” لا قيمة له إذا كان ثمَنُه هو الكرامة.
والخلاصة: جيراندو تحول إلى “عبرة” للمجتمع. عبرة بأن الكذب مهنة من لا حرفة له، وأن النرجسية إذا توجت بالجهل أنتجت مأساة كوميدية بامتياز. وهذه نهاية كل من راهن على خواء الخطاب، ورداءة الأدوات، وسذاجة المتلقي. سقط جيراندو… فليتعظ الآخرون.