طوفان عارم ملأ البحر الأبيض المتوسط في وقت قياسي يذهل العلماء

متابعة:عبد العزيز حيون

شهد البحر الأبيض المتوسط، قبل فترة تتراوح بين خمسة وستة ملايين سنة، حدثا جيولوجيا دراماتيكيا كاد أن يؤدي إلى جفافه تماما.
وعندما تدفقت مياه المحيط الأطلسي مجددا عبر مضيق جبل طارق، بلغت قوة التدفق وجسارته حدا غيّر ملامح المنطقة بين ليلة وضحاها، حيث تشير الدراسات إلى أن منسوب المياه كان يرتفع بمعدل عدة أمتار يوميا.
و يُعرف هذا الحدث التاريخي في الأوساط العلمية بـ “أزمة ملوحة العصر المسيني”.
ففي بادئ الأمر، تسببت العوامل المناخية في تبخر مياه البحر الأبيض المتوسط نتيجة عزله عن المحيط، تاركةً وراءها دليلا قاطعا يكمن في قاع البحر: طبقة هائلة من الملح يصل سمكها في بعض المناطق إلى ثلاثة كيلومترات، وهو ما يعادل نحو مليون كيلومتر مكعب من الصخور التبخرية.
وتعد هذه الترسبات الملحية شاهدا حيا على حقبة انخفض فيها منسوب المياه بشكل حاد وتضاعفت نسب الملوحة.
بيد أن التحول الأبرز حدث عند عودة تدفق مياه الأطلسي، إذ تشير النماذج العلمية المطورة إلى أن الحوض امتدأ بسرعة فائقة، ليرتفع منسوب البحر في ذروة الفيضان بمعدل يتجاوز عشرة أمتار يوميا.
اكتشاف غيّر المفاهيم الجيولوجية:
يعود الفضل في الكشف عن هذه الظاهرة إلى السبعينيات من القرن الماضي، إثر عمليات حفر في المياه العميقة ومسوح زلازلية كشفت عن وجود مستودعات ملحية ضخمة مدفونة تحت القاع.
ونُشرت هذه النتائج لأول مرة في مجلة Nature عام 1973 من طرف العلماء كينيث هسو، وويليام رايان، وماريا سيتا.
ومنذ ذلك الحين، بات “عملاق الملح” محورا لأبحاث مستمرة، كان آخرها دراسات نشرت في مجلتي Nature عام 2009 وScience Advances عام 2025، والتي واصلت تفكيك تفاصيل هذه الأزمة التي اتسمت بتغيرات تذبذبية مدفوعة بالتآكل النهري والتقلبات المناخية.
الأطلسي: شريان الحياة
تؤكد الأبحاث العلمية أن المحيط الأطلسي يمثل الرئة الحيوية للبحر الأبيض المتوسط، نظرا لأن الأخير يفقد من المياه عبر التبخر معدلات تفوق بكثير ما تلج فيه الأمطار والأنهار ،وإذا ما انقطعت صلة الوصل هذه، يختل التوازن البيئي بأكمله.
وتكمن أهمية توثيق هذا الحدث في الأرقام المذهلة التي تكشف عنها الدراسات، إذ تشير البيانات إلى أن التدفق المائي الأقصى خلال الطوفان تجاوز تدفق نهر الأمازون الحالي بنحو ألف ضعف، وأن ما يقرب من 90% من إجمالي المياه قد انتقل في فترة وجيزة تراوحت بين بضعة أشهر وعامين، وذلك بعد مرحلة تمهيدية من التدفق البطيء استمرت لآلاف السنين.

error: Content is protected !!