قراءة في استغلال رئيس الجزائر “تبون” لقضية بوسطن

بين التضليل السياسي وحماية الصورة: قراءة في استغلال رئيس الجزائر لقضية بوسطن

في مشهد يعكس أزمة سياسية عميقة، لم يتردد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في تحويل رواية غير مؤكدة إلى قضية دولة، متجاوزاً بذلك كل الأعراف الدبلوماسية والإعلامية التي تفرض التحقق من الوقائع قبل إضفاء الشرعية الرسمية عليها. قضية الطفل الذي قيل إنه تعرض لاعتداء في بوسطن كشفت، مرة أخرى، عن نمط ممنهج في التعامل مع الملفات التي تمس العلاقة مع المغرب، نمط يقوم على توظيف الإشاعة والكذب والبهتان لأغراض سياسية ضيقة.

منذ اللحظات الأولى لظهور القضية، كان لافتاً سرعة انتقالها من حسابات محدودة على منصات التواصل الاجتماعي إلى منابر إعلامية جزائرية، ثم إلى أعلى هرم السلطة، دون أن تمر بأي مرحلة من مراحل التحقق المهني. الأكثر إدانة هو التغير المستمر في تفاصيل الرواية نفسها: فعدد المعتدين المفترضين قفز من ستة إلى سبعة، قبل أن يستقر عند خمسة وثلاثين شخصاً، وكل هذه الأرقام تتناقض مع غياب أي بيان رسمي من شرطة بوسطن أو أي جهة قضائية أمريكية تؤكد حدوث اعتداء جماعي بالصورة التي تم تداولها.

وهنا يبرز السؤال المحرج: كيف يمكن لرئيس دولة أن يتبنى رواية لم تؤكدها السلطات الأمريكية بعد، ويتحدث عن تفاصيلها وكأنها حقائق مسلم بها، متجاهلاً أن أي حادث بهذا الحجم كان سيشكل خبراً رئيسياً في وسائل الإعلام المحلية الأمريكية؟

ما قام به الرئيس تبون ليس مجرد زلة، بل يعكس نمطاً سياسياً ممنهجاً في التعامل مع الملفات المغربية. فبدلاً من انتظار التحقيقات الرسمية، بادر إلى تحويل القضية إلى حدث سياسي ودبلوماسي، متجاوزاً الدور الطبيعي للسلطات القنصلية في مثل هذه الحالات. بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك، فكشف عن دعوة وجهها وزير الرياضة للطفل لحضور مباراة المنتخب الجزائري، في محاولة لتحويل حادثة غير مثبتة إلى رمز وطني يستغل في الصراع السياسي مع المغرب.

واللافت أن هذه الممارسة ليست وليدة اللحظة، بل تتكرر في مناسبات مختلفة، حيث يقوم نظام الرئيس تبون بتوظيف العديد من الأبواق الإعلامية لمحاولة تشويه صورة المغرب، انطلاقاً من فرضية أن الإشاعة إذا تكررت قد تتحول إلى حقيقة في أذهان البعض. وهذا النهج يتناقض بشكل صارخ مع ما يفعله المغرب ومسؤولوه، الذين يعملون في صمت ولا يكثرون من مثل هذه الخزعبلات، مفضلين العمل المؤسساتي الجاد على التصعيد الإعلامي المسيس.

كما أن التدقيق في المواد البصرية التي رافقت القضية كشف عن تناقضات صارخة، حيث تبين أن بعض الصور تعود إلى كأس العالم قطر 2022، فيما لا تسمح المقاطع المصورة المتوفرة بإثبات أنها توثق الواقعة نفسها أو تحدد هوية الأشخاص الظاهرين فيها.

إن تحويل الرئيس تبون لقضية غير مثبتة إلى ملف سياسي ودبلوماسي، قبل أي تأكيد رسمي من السلطات الأمريكية، ليس مجرد خطأ إعلامي، بل يعكس أزمة أخلاقية وسياسية عميقة في التعامل مع الحقائق. فبدلاً من انتظار التحقيقات والتمسك بالمصداقية، اختار الرئيس الجزائري استغلال مشاعر الناس واللعب على أوتار الكرامة الوطنية لخدمة أهداف سياسية ضيقة.

في المقابل، يظل الموقف المغربي نموذجاً في ضبط النفس والعمل المؤسساتي، حيث تتعامل المملكة مع مثل هذه القضايا بحكمة وروية، تاركة للجهات المختصة مهمة التحقق من الوقائع، بعيداً عن توظيف الإشاعات والأكاذيب في الصراعات السياسية. إن المغرب ومسؤوليه، كما جرت العادة، يعملون في صمت ولا يكثرون من مثل هذه الخزعبلات، مدركين أن الحقائق وحدها هي التي تصمد أمام الزمن، وأن الأكاذيب، مهما تعددت، لا تلبث أن تنكشف.

error: Content is protected !!