جيراندو وبوعشرية و”قولولو”.. مسرحية الابتزاز التي انكشفت في تسجيل جديد

في مشهد ساخر يليق بأفلام الجريمة المنظمة، يكشف تسريب جديد من مجموعة “أطلس هاكس” الوجه الآخر لـ”ناشط” يدّعي محاربة الفساد، لكنه في الحقيقة شريك في لعبة الابتزاز الإلكتروني الأكثر تنظيمًا في المغرب.

فالتسجيل الصوتي الجديد الذي جمع هشام جيراندو، التيكتوكر المغربي المقيم في كندا، بمحمد بوعشرية – سمسار تجار المخدرات والسجين حاليًا – يكشف عن تفاصيل مثيرة، حيث يتحدث بوعشرية بلهجة واثقة عن شخص غامض يُشار إليه بـ”قولولو”، الذي يصفه بـ”أكبر بارون مخدرات في منطقة الناظور”، محققًا أرباحًا خيالية تصل إلى 200 مليون درهم عن كل “زودياك” في إشارة إلى شحنات المخدرات.

لكن المدهش ليس حجم الأموال، بل الخطة المحكمة التي يقترحها بوعشرية لصديقه جيراندو: تهديد البارون الكبير بطريقة غير مباشرة، وكأنهما يحضران لمسرحية من فصل واحد.

السيناريو الذي رسمه بوعشرية لجيراندو يصلح لأن يكون فيلمًا كوميديًا أسود، حيث يؤدي جيراندو دور “الرجل القاسي” الذي يمتنع عن نشر ملفات “قولولو” فقط من باب المجاملة لبوعشرية، بينما يقوم بوعشرية بدور “الوسيط النبيل” الذي سيتصل بجيراندو بحضور سمسار قولولو، ليؤكد الأخير أنه السبب الوحيد في حماية البارون.

 

وتكمن اللمسة الفنية في طلب بوعشرية من جيراندو وصف قولولو بأنه “رجل كريم يقدم المساعدة للناس”، قبل أن يُلوّح بورقة التهديد: “إن رفض الدفع، سنفضحه”. وكأنما نحن أمام صفقة تجارية، لكن سلعتها الخوف والسمعة، وعملتها الصمت المدفوع الثمن، في مشهد يجمع بين الابتزاز المباشر والتلاعب النفسي بأسلوب يذكرنا بأفلام العصابات أكثر منه بمن يرفع شعار النزاهة.

هذه الحلقة ليست الأولى في مسلسل “جيراندو ورفاقه”، فالحلقات السابقة كشفت عن أسماء لامعة في عالم السماسرة، من بينهم صلاح الدين خراز الملقب بـ”ولد الفرملية”، حيث دار النقاش حول تقديم معلومات عن منافسين مقابل أموال تُحوّل إلى تركيا، وعادل مذهوب الملقب بـ”أمستردام”، مع طلبات مباشرة لاستهداف أشخاص في طنجة وتمويل عمليات نشر، ومصطفى الهرواشي الرئيس السابق لفريق هلال الناظور، الذي ناقش نسب أرباح من عمليات مخدرات مقابل استهداف منافسين إعلاميًا على رأسهم “قولولو”.

 

وتكشف هذه التسجيلات المتراكمة عن شبكة معقدة من المصالح المشتركة، حيث تتحول المنصات الرقمية إلى ساحة لتصفية الحسابات تحت غطاء أخلاقي واهٍ، وكأنما هؤلاء الأشخاص يعملون في ورشة واحدة لإنتاج الفضائح وفق جدول أعمال مدفوع الثمن.

ما يثير السخرية أكثر هو التناقض الصارخ بين الصورة التي يروجها جيراندو لنفسه كمناضل ضد الفساد، وبين ما تكشفه التسجيلات من تعاون مباشر مع سماسرة مخدرات وخطط لابتزاز باروناتهم، حيث يدّعي النزاهة ويتحدث عن تقديم المساعدة للآخرين، بينما يمارس أخطر أنواع الابتزاز الرقمي في الخفاء.

 

إنها سيناريو “الناشط المزدوج” الذي يستخدم المنصات الرقمية كسلاح لتحقيق مكاسب شخصية، ويوظف خطابًا أخلاقيًا لتمرير مخططات غير أخلاقية، في لعبة خطيرة تخلط بين محاربة الفساد وممارسته بأسلوب أكثر تنظيماً وإتقاناً. ومع كل تسريب جديد، يتبخر المزيد من المصداقية، وتتراكم الأدلة على أن “محاربة الفساد” قد تكون مجرد واجهة براقة لعمليات ابتزاز منظمة، والمنصات الرقمية مجرد مسرح لتمثيلية جديدة كل حلقة.

يبقى السؤال الأهم الذي تفرضه هذه التسريبات المتتالية: كم من “جيراندو” آخر يعملون في الخفاء تحت عباءة النشاط الرقمي؟ وكم من “قولولو” يتم ابتزازهم بصمت وسط هذه الشبكة المعقدة من المصالح المشتركة؟ في النهاية، يبدو أن ما بدأ كمسلسل من التسريبات قد تحول إلى وثيقة حية ترصد تحول بعض الناشطين من دعاة إصلاح إلى شركاء في منظومة ابتزاز منظمة، حيث تختلط الأموال بالتهديدات، وتتداخل المعلومات الشخصية بالصفقات السرية، كل ذلك تحت شعار براق يخفي وراءه واقعاً مختلفاً تماماً.

ومع استمرار تسريب المزيد من المواد، قد ينتهي المسرح قريباً، وتُسدل الستائر على أبطال هذه الكوميديا السوداء، تاركين خلفهم سؤالاً مفتوحاً حول حدود النشاط الرقمي ومتى يتحول من سلاح فضح إلى أداة ابتزاز.

error: Content is protected !!