قاع أسراس… حين غابت المياه وتقطّعت الكهرباء في دروب الإشاعة
في قلب جبال شفشاون، حيث تلامس الطبيعة بساط الأرواح الطيبة، تنبض جماعة تزكان قاع أسراس بإيقاعها القروي الهادئ. إلا أن السكينة هنا ما لبثت أن اهتزت، ليس على وقع زلزال، بل على وقع كلماتٍ تتطاير في المجالس، تحمل روايات عن اختلاس، وخيبة، ومشاريع لم تكتمل.
“كان من المفترض أن تصلنا شبكة الماء الصالح للشرب، وكان من المفترض أن تضيء الكهرباء ليالينا الطويلة، لكن لا هذا حصل، ولا ذاك، ويقولون السبب… موظف اختلس الميزانية وهرب!”، هكذا يتردد على لسان السكان، ليس تصريحًا رسميًا، ولا بلاغًا موثقًا، بل شهادة شفوية تنتقل كما تنتقل النار في الهشيم.
تشير هذه الأحاديث الشعبية إلى أن أحد الموظفين السابقين في المكتب الوطني للكهرباء والماء، والذي كان يدير فرعًا بمركز قاع أسراس، قام باختلاس ميزانية مخصصة لربط بعض المداشر والدواوير بالماء والكهرباء، بل إن الشائعات تذهب إلى أبعد من ذلك، حيث يُقال إن المعني بالأمر مبحوث عنه قضائيًا بسبب هذه التهم.
بعض السكان، حسب ذات الأحاديث، دفعوا من مالهم الخاص للحصول على الربط بالماء والكهرباء. دفعوا ثمن الأمل، ليجدوا أنفسهم في مواجهة صادمة: لا شبكة وصلت، ولا وعود تحققت، فقط اختفاء مالي دون تفسير، وفي المناطق الجبلية، حيث الزمن يسير ببطء، فإن الانتظار طويل، والخذلان جارح.
في محاولة لتقصي الحقائق، تواصلنا مع مسؤول داخل المكتب الإقليمي للكهرباء والماء الصالح للشراب
أوضح لنا أن المشروع بالجماعة قد غطى بالفعل حوالي 80% من المناطق المستهدفة، ولم يتبقَ سوى ثلاثة دواوير في طور الإنجاز.
وأضاف أن المشروع تشرف عليه المديرية الجهوية، ويتم تسليمه لاحقًا للمديرية الإقليمية، مما يعني أن مراحل التنفيذ لا تخضع فقط لسلطة الفرع المحلي.
وحول “الموظف المزعوم”، أفاد المصدر أن الشخص المعني لم يختلس من الأموال العمومية الخاصة بالمشروع الرسمي، بل قام بالاستيلاء على مبالغ دفعها بعض السكان مباشرةً بشكل فردي مقابل الربط، إذن، فالحديث عن “توقف المشروع بسبب اختلاس الميزانية العامة” مجرد إشاعة حسب مصدر داخل المديرية الاقليمية.
بين ما تقوله المؤسسة، وما يعتقده المواطن، فجوة كبيرة تسكنها الشكوك، فإن كانت الشائعات لا تبني قرارات، فإن غياب الشفافية هو من يغذيها، وإن كان الموظف المعني قد اختلس فعلًا، فالمطلوب ليس نفي الاتهام بل فتح تحقيق ومحاسبة علنية تحفظ للمؤسسة هيبتها، وللمواطن كرامته.
القضية، وإن بدت محلية، فإنها تفضح أزمة أعمق: أزمة تواصل، أزمة ثقة، وأزمة إدارة مشاريع في العالم القروي، فما قيمة الميزانيات والمخططات إن لم تُرافقها رقابة ميدانية وشفافية مؤسساتية؟ وما معنى التنمية إن ظل المواطن آخر من يعلم وأول من يُخذل؟
ربما لا تزال الأنابيب فارغة، وأسلاك الكهرباء معلقة، لكن ما هو أكثر فراغًا هو الإحساس الجماعي بأن أحدًا لا يُصغي، ولا يُجيب، في قاع أسراس، لا يطلب الناس أكثر من نقطة ماء، وومضة ضوء… وصدق في القول والفعل.