أطنطو المغرب(فرع تطوان)جرائم قانونية وأخلاقية في حق عمال أفنوا حياتهم من اجل الشركة

في مشهد يجسد الواقع المرير للعديد من العمال المغاربة، تتحول شركة أطنطو فرع تطوان،إلى نموذج صارخ للاستغلال المنظم، حيث لا تكتفي بانتهاك حقوق موظفيها عبر طردهم تعسفيا، بل تدفع بهم إلى متاهة قضائية مميتة عبر تخييرهم بين خوض معركة قانونية شاقة أو التنازل عن جزء من حقوقهم المشروعة. فبدلا من احترام مقتضيات مدونة الشغل المغربية وقانون المسطرة المدنية، تتحايل الإدارة على النصوص التشريعية بأساليب تكرس الظلم وتعيق وصول الضحايا إلى العدالة، خاصة بعد أن طالت انتهاكاتها ما يزيد عن 250 موظفا وموظفة تم إيقافهم أو فصلهم بشكل تعسفي، دون مراعاة لسنوات الخدمة أو الحقوق المكتسبة.

وفقًا للمادة 53 من مدونة الشغل، يحق لكل عامل طرد دون مبرر قانوني الحصول على تعويض كامل يقدر بأجر شهر عن كل سنة عمل، إلا أن شركة أطنطو تفرض على عمالها ، الذين قضوا عقودا في خدمتها، بمن فيهم أولئك الـ250 الذين تعرضوا للإيقاف المفاجئ –،خيارين أحلاهما مُر، إما قبول تعويض هزيل لا يتجاوز 40% إلى 60% من المستحقات، أو خوض غمار المحاكم التي تعرف بطء إجراءاتها وتعقيداتها المالية. هذا التخيير لا يعدو كونه انتهاكا صريحا للمادة 19 من قانون الالتزامات والعقود، التي تبطل أي اتفاق يبرم تحت الإكراه أو الاستغلال، كما يشكل خرقا للفصل 14 من الدستور المغربي الذي يضمن الحق في التقاضي والمساواة أمام القانون.

في هذا السياق، تتحول المحاكم ، التي يفترض أن تكون ملاذًا للضعفاء ،إلى أداةٍ للترهيب في يد الشركة، حيث تدرك إدارة أطنطو جيدا أن ظروف العمال المادية والاجتماعية، خاصة أولئك الـ250 المطرودين، لا تسمح لهم بتحمل تكاليف الدعاوى القضائية الطويلة، فتجبرهم عمليا على التنازل عن حقوقهم تحت وطأة الخوف من المستقبل. هذا السلوك لا يتناقض فقط مع روح المادة 35 من مدونة الشغل التي تلزم الشركة بإخطار العامل كتابيا قبل الفصل، بل يتجاوزه إلى انتهاك المادة 41 من قانون المسطرة المدنية، التي تؤكد على ضرورة توفير ضمانات المحاكمة العادلة، بما في ذلك حق العامل في الدفاع عن نفسه دون ضغوط مادية أو نفسية.

الأمر الأكثر إيلاما أن ضحايا هذه الممارسات، ومن بينهم العشرات من النساء اللواتي واجهن تمييزا مضاعفا، هم عمال كرسوا سنوات شبابهم لبناء سمعة الشركة، ليجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة خسارة مزدوجة،خسارة العمل الذي اعتبروه مصدر أمانهم، وخسارة الحقوق التي كفلها القانون. هنا يطفو السؤال الأخلاقي والقانوني:،أين دور مفتشية الشغل،المنصوص عليه في المادة 542 من المدونة، والتي يفترض أن تتدخل فورًا للتحقيق في هذه الانتهاكات التي طالت مئات العمال؟ وأين تطبيق المادة 98 من قانون الالتزامات والعقود التي تجرد أي اتفاق جائر من شرعيته، خاصة عندما تفرض هذه الاتفاقيات على موظفين مسحوقين تحت ضغط البطالة والفقر..
؟

لا يمكن فصل هذه الانتهاكات عن صمت المؤسسات الرسمية والنقابات العمالية، التي تتحول غيبتُها إلى تواطؤٍ غير مباشرٍ يُفاقم معاناة الضحايا. فالقانون واضحٌ في شروط الفصل التعسفي وآليات التعويض، لكن غياب الرقابة الفعلية يسمح لشركة أطنطو بتحويل النصوص التشريعية إلى حبرٍ على ورق، بينما تُحول حياة العمال إلى جحيمٍ من اللايقين والخوف، خاصة بعد أن فقد 250 أسرة مصدر رزقها الوحيد دون سابق إنذار.

ما تقوم به أطنطو ليس مجرد مخالفة قانونية عابرة، بل هو جريمة أخلاقية تهدر كرامة الإنسان وتحول سنوات الإخلاص في العمل إلى كابوسٍ من الإهانة. فالحقوق لا تكتسب بالصمت، بل بالصراخ الجماعي الذي يرفض الظلم، ويستند إلى القانون كسند أخير للعدالة. فهل من مُجيبٍ لنداءات هؤلاء العمال قبل أن تتحول قضيتهم إلى مجرد رقمٍ في سجل الانتهاكات، كالـ250 الذين طردوا ولم يجدوا من ينصرهم؟

error: Content is protected !!