منطقة الأنشطة الاقتصادية بالفنيدق..مشروع ملكي ناجح يعيد رسم مستقبل المنطقة رغم التحديات

في الوقت الذي تتواصل فيه بعض الانتقادات الموجهة إلى مشروع منطقة الأنشطة الاقتصادية بالفنيدق، باعتباره بديلاً للتهريب المعيشي الذي كان سائداً عبر معبر باب سبتة، يرى العديد من الفاعلين والمتتبعين أن المشروع يمثل نموذجاً واعداً في بناء اقتصاد محلي منظم ومستدام، يستلهم مرتكزاته من التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى تحقيق العدالة المجالية والتنمية المندمجة.

منذ انطلاقها الفعلي في مارس 2022، استطاعت المنطقة أن تحدث نقلة نوعية على المستوى الاقتصادي بالجهة، من خلال توفير بنية تحتية حديثة على مساحة تفوق 10 هكتارات، واستقطاب عشرات المقاولات التي وفرت مناصب شغل جديدة وساهمت في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي. وقد تجاوزت قيمة المبادلات التجارية التي مرت عبر هذه المنطقة حاجز مليار درهم، في أقل من سنتين، إلى جانب تحقيق مداخيل جمركية فاقت 900 مليون درهم لفائدة خزينة الدولة، ما يعكس دينامية حقيقية بدأت تتجذر على أرض الواقع.

وفيما يصف البعض المنطقة بأنها “فاشلة”، تؤكد الأرقام الرسمية والمعطيات الميدانية العكس تمامًا. فقد تم إحداث 76 مستودعًا صناعيًا مهيكلًا، واستقطبت 63 مقاولة تنشط في قطاعات متنوعة كالإلكترونيات، النسيج، الصناعات الغذائية والتوزيع. كما شهدت المنطقة إنجاز أكثر من 1300 عملية استيراد خلال فترة وجيزة، مما يعزز موقعها كمحطة اقتصادية ناشئة في شمال المملكة.

ويجمع العديد من الفاعلين المحليين على أن إرساء اقتصاد منظم في منطقة اعتادت على النشاط غير المهيكل هو تحدٍّ حقيقي، لكن الانخراط المؤسساتي، بقيادة السلطات المحلية بعمالة المضيق الفنيدق، ومواكبة غرفة التجارة والصناعة والخدمات، ساهم بشكل كبير في تيسير الانتقال الاقتصادي والاجتماعي، عبر فتح أبواب الاستثمار وتشجيع التجار على الانخراط في أنشطة قانونية مدرة للدخل.

ولم تغفل الجهات المعنية التداعيات الاجتماعية لتوقف التهريب المعيشي، بل باشرت برامج موازية لإعادة الإدماج المهني والتكوين، مع إرساء آليات الدعم والتمويل الميسر لفائدة التجار الصغار، في أفق تأهيلهم للاندماج في النسيج الاقتصادي الجديد.

فعاليات النسخة الثالثة من “الأبواب المفتوحة”، المزمع تنظيمها قريبًا، تأتي لتكرّس هذا التوجه التنموي، وتفتح المجال للنقاش العمومي والتشاركي حول آفاق تطوير المنطقة الاقتصادية بالفنيدق، بما يعزز الشفافية ويؤكد الإرادة الحقيقية للمضي قدماً في هذا الورش الملكي.

إن منطقة الأنشطة الاقتصادية بالفنيدق ليست مجرد بنايات أو مستودعات، بل هي مشروع تحويلي يروم الانتقال من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج، ومن التبعية إلى الاستقلالية، ومن الهشاشة إلى التمكين. ورغم الصعوبات المرتبطة بتغيير الأنماط الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن المسار الإصلاحي يظل خياراً لا رجعة فيه من أجل تنمية عادلة وشاملة.

ومن ثمة، فإن التركيز على الإكراهات دون الاعتراف بالمنجزات الفعلية لا يخدم النقاش العمومي، بل قد يسيء إلى جهود وطنية حقيقية تُبذل من أجل بناء نموذج اقتصادي جديد في شمال المملكة، يليق بتطلعات ساكنته، وينسجم مع الرؤية الملكية لمغرب التوازنات المجالية والعدالة الاجتماعية.

error: Content is protected !!