حياة الزوار في خطر… هل يتحمل صاحب “الفيريا” مسؤولية الحادث؟

في عز الصيف، حين تتحول مرتيل إلى قبلة آلاف الزوار الباحثين عن المتعة والاصطياف، فجّر حادث سقوط عدد من الشبان من لعبة هوائية بمنصة الألعاب “الفيريا”، حالة من الذعر والقلق وسط الساكنة والمتتبعين، ليُطرح من جديد سؤال حارق: من يراقب هذه الفضاءات؟ ومن يتحمّل مسؤولية أرواح الأبرياء في ظل فوضى ترفيهية لا تخضع لأدنى معايير السلامة؟

الحادث لم يكن استثناء عابرا، بل هو تجلٍّ واضح لواقع تشتغل فيه بعض الفضاءات الترفيهية بعقلية “الموسم والربح السريع”، حيث تُركّب آلات ضخمة، بعضها مهترئ وقديم، دون مراقبة تقنية دقيقة، ولا تأمين، ولا تدريب كافٍ للعاملين. الأخطر من ذلك، أن بعض هذه الألعاب تُستورد بعد انتهاء صلاحيتها في بلدان أخرى، لتُعاد صيانتها سطحيا وتُزجّ بها في أسواق الترفيه المغربية، في غياب تام لأي مراقبة مؤسساتية صارمة.

مظاهر التسيّب لا تقتصر على الجانب الميكانيكي فقط، بل تشمل أيضا الغموض الذي يلفّ العقود وشروط الاستخدام، وغياب أي قاعدة بيانات وطنية تسجّل هذه الألعاب وتتابع صيانتها. فهل من المقبول أن تُترك آلات بهذا الحجم والخطر في متناول الزوار، دون أن يسأل أحد عن فحص تقني أو وثيقة تأمين أو حتى شهادة الكفاءة التقنية للمشغّلين؟

الواقع أكثر قتامة حين نعلم أن أحد الضحايا، الذي خضع لعملية جراحية دقيقة على مستوى الرأس، غادر المستشفى بعد خمسة أيام من العلاج، وسط تساؤلات مشروعة: من سيضمن له حقه؟ وهل ستتدخل النيابة العامة لفتح تحقيق شفاف في الحادث؟ أم أن الأمور ستُطوى في صمت مريب، رغم أن حياة المواطنين مهددة بشكل يومي داخل هذا الفضاء؟

ما وقع في “الفيريا” ليس حادثا معزولا، بل هو ناقوس خطر ينبه إلى خلل بنيوي في التعامل مع فضاءات الترفيه الموسمي، حيث تشدد السلطات الرقابة على المطاعم والمقاهي لأبسط التجاوزات، في الوقت الذي تتغاضى فيه عن ألعاب خطيرة يرتادها مئات الأطفال والشباب يوميا، دون أدنى ضمانات السلامة.

الصمت الرسمي عقب الحادث، والتجاهل المستمر لمطالب التنظيم والمحاسبة، يكشفان عن هشاشة في التعاطي مع هذا النوع من الأنشطة، التي من المفترض أن تُدار بسياسة عمومية واضحة تُوازن بين الحق في الترفيه، وواجب الدولة في حماية أرواح المواطنين.

إن الحادثة، بكل تفاصيلها المؤلمة، تفتح الباب واسعا أمام سؤال أكبر: إلى متى سيظل العبث بحياة الناس مشروعا موسميا تحت يافطة “الفرجة”؟ وهل نحتاج إلى مأساة أخرى، وصراخ جديد لا يسمعه أحد، كي نبدأ فعلا في إعادة ترتيب الأولويات؟

ويبقى السؤال الذي يتردد على ألسنة الكثيرين في مرتيل: هل ستفتح النيابة العامة تحقيقًا شفافًا مع صاحب مدينة الألعاب؟ وهل سيتم الاستماع إلى كافة الأطراف لتحديد المسؤوليات ومعرفة الأسباب الحقيقية وراء الواقعة؟ فهل كان الأمر مجرد حادث عرضي؟ أم أن السبب يعود إلى تهالك الألعاب وتقادم تجهيزاتها؟ أسئلة مشروعة تطرح نفسها بإلحاح، خصوصًا أن الحادث بثّ الرعب في نفوس مئات الزوار، وأثار مخاوف جدية بشأن السلامة الصحية لمرتادي هذه الفضاءات، في غياب تدابير وقائية تليق بخطورة الآلات المستعملة وعدد الأشخاص الذين يتعاملون معها يوميًا.

error: Content is protected !!