الفصل السادس من “أبو الهول الكذوب”.. بطولة وحيدة للمعطي منجب
لم يكد المعطي منجب يلمح أن هناك محكمة تنظر في قضية غسل الأموال المنسوبة إليه، حتى بادرنا ببلاغه الأسبوعي الذي يحمل توقيع “الضحية رقم واحد”. الرجل الذي منع من السفر بقرار قضائي، يريدنا أن نصدق أن عشرة من رجال الأمن تركوا حراسة معرض يكتظ بآلاف الزوار، وتفرغوا للتنكيل به شخصياً، وكأنه قنبلة موقوتة ستُفجر المعرض بأكمله.
لنتأمل معاً عبقرية السرد الدرامي التي يتميز بها الدكتور منجب. يحدثنا عن ستة أو سبعة ثم عشرة رجال أمن بلباس مدني يطوقونه فجأة، وكأن كتيبة كاملة كانت تنتظر دوره في طابور التفتيش لتقوم بتنفيذ خطة محكمة ضده. ذلك الرقم المهتز بين ستة وعشرة ليس ارتباكاً في العد، بل هو خيار فني ذكي، يهدف إلى تضخيم الحدث وجعله يبدو كعملية نوعية، كتلك التي نشاهدها في أفلام الجاسوسية.
أما ذروة الإبداع فتكمن في وصفه “للتعذيب الذكي” الذي تعرض له. يخبرنا أن أحد العناصر كان يقرصه حول منطقة السرة وهو حريص على وضع قميصه بين يده وأظافره حتى لا يترك آثاراً. هذا المستوى من الدقة والبراعة في التعذيب، مقترناً بحرص العذاب الشديد على إخفاء الأدلة، لا يمكن أن يقوم به إلا ضابط مخابرات مدرب على أعلى مستوى. من المؤسف أن هذا الضابط الماهر قد صادف ضحية حساسة لدرجة أن قرصاً لطيفاً على بطنه سيضطره لزيارة الطبيب، رغم أن الجلد لم يحمر حتى.
ولا ننسى الشرطية الوحيدة التي أبدت سلوكاً إنسانياً وقدمت له كأس ماء. هذه التفصيلة الإنسانية هي سر نجاح أي عمل روائي، البطل يحتاج إلى لحظة ضوء تعكس أن العالم لم يمت تماماً في قلوب الجميع. لولا هذه الشرطية الطيبة، لما اكتمل المشهد الدرامي، ولما شعر القارئ بالتعاطف المطلوب.
أما عن تمزيق التذكرة أمام ناظريه مع عبارة “لن تدخل المعرض اليوم”، فهي صورة سينمائية خالصة تصلح لأن تكون بوستر الفيلم المقتبس من هذه الرواية. العنصر الأمني الذي قالها كان يعرف جيداً أنه سيكون بطلاً في بلاغ الغد، فأتقن أداء جمله بحماس وركاكة في آن واحد.
الحقيقة أيها السيد منجب، أن البلاغ الذي نشرته لا يفضح رجال الأمن بقدر ما يفضح رغبتك الجامحة في البقاء في دائرة الضوء. الناس تعرف الآن أنك ممنوع من السفر بتهم غسل الأموال، فقررت أن تخرج لنا بمعزوفة جديدة بعنوان “تعذيب السرة”. اليوم أنت تنتظر الطبيب، وغداً ستنتظر لجنة تقصي الحقائق، وبعد غد سننتظر بلاغاً جديداً يتحدث عن تعذيب لم تسبق له البشرية مثيلاً، صاحبه كان بارعاً في ابتكار طرق جديدة للشكوى دون تقديم دليل واحد.
ما أجمل أن يعيش الإنسان في دور الضحية الأبدية، يتنقل من منصة إلى أخرى، يبكي على ظلمه تحت عنوان “الرأي العام الوطني والدولي”. لكن في النهاية، الكذوب لا بد أن ينكشف أمره، والقرص الوهمي حول السرة سرعان ما يشفى بمجرد أن تطفئ الكاميرا.