المؤسسة الأمنية المغربية… حصن السيادة الذي لا تهزه التقارير الجاهزة

في خطوة لم تكن مفاجئة لأحد، عادت أسطوانة “بيغاسوس” المشروخة إلى الواجهة من جديد، هذه المرة عبر تقرير جديد لمنظمة العفو الدولية، رافقته تغطية إعلامية فرنسية مكثفة، وعلى رأسها القنوات التابعة للإعلام العمومي الفرنسي. حملة متجددة تُشن في توقيت بالغ الدلالة، لا يمكن فصله عن التطورات الجيوسياسية والدبلوماسية الراهنة، ولا عن الانتصارات المتتالية التي تحصدها المملكة المغربية في ملف وحدتها الترابية وفي بناء شراكات ندية متوازنة.

تعتمد هذه الحملة المتجددة، كما في كل مرة، على شهادات وتكهنات هشة منسوبة لما وصف بـ “مصدر سابق في الأجهزة الأمنية”، يُدعى “سفير”. غير أن المتتبعين يعرفون أن المعني بالأمر لم يكن سوى عنصر ثانوي باهت، تحوم حوله الشبهات داخل مساره الوظيفي، وهو ما يجعل الاعتماد على شطحاته ومزاعمه ضرباً من الهواية والإخراج التضليلي المغرض. فهل يُعقل أن تُبنى اتهامات خطيرة ضد مؤسسة سيادية على أساس شهادة شخص واحد ملتبس، في غياب أي دليل مادي ملموس؟

تحاول هذه المنابر ترجمة مجرد الفرضيات أو التقارير الانطباعية إلى “أحكام قضائية حاسمة”، متحاشية إخضاع الادعاءات والمؤشرات التقنية لسلاسل إسناد وفحص جنائي رقمي مستقل ومحايد. فمجرد ظهور رقم في قائمة استهداف محتملة لا يثبت اختراق الجهاز فعلياً، ولا يحدد الجهة الآمرة أو المنفذة. إنها منهجية مبتورة تتنافى مع أدنى المعايير العلمية والقضائية المعمول بها دولياً.

وتتجلى ازدواجية المعايير العارية في هذا الملف من خلال المقارنة البسيطة بين السلوك الإعلامي والسياسي المتبع تجاه المغرب، والصمت المطبق المضروب على الفضائح الرقمية الحقيقية والموثقة التي تورطت فيها باريس وعواصم أوروبية أخرى.

فبينما تقام قيامة الإعلام الفرنسي ضد الأجهزة المغربية بناء على خيالات وسيناريوهات مكررة، يمارس تعمية كاملة وتكتم مريب على فضيحة “تسريبات بريداتور” (Predator Files)، التي كشفت بالدليل القاطع تورط شركات ودوائر فرنسية في تصدير وتطوير برمجيات المراقبة والاختراق لصالح أنظمة مختلفة وتعقب معارضيها. بل إن برنامج “بيغاسوس” نفسه بيع لـ 22 مشغلاً حكومياً في 14 دولة أوروبية، بينها بلجيكا وهولندا وإسبانيا وألمانيا وبولندا، دون أن تخصص “أمنستي” دراسة مماثلة لتلك الدول.

إن هذا التباين الفاضح يسقط شعارات الدفاع عن الحقوق والحريات، ليؤكد أن الأمر يتعلق بعقيدة استعلاء وإعلام أيديولوجي يعطي لباريس حق ممارسة وتصدير برامج التجسس، ويستكثر على المغرب حقه السيادي والتنظيمي في حماية أمنه واستقراره الوطني.

إن النبش في ملف “بيغاسوس” الاستخباراتي للمرة الألف، وتوظيف أدبيات الاتهام الجاهزة في هذا التوقيت بالذات، لا يمكن فصله عن الإرباك الذي تعانيه بعض الدوائر الغربية جراء صمود واستقلالية القرار المغربي. إنها محاولة بائسة لفرملة النجاحات المغربية، عبر إبقاء المؤسسات الأمنية السيادية التي تشكل الحصن المنيع والاستباقي لأمن البلاد والاستقرار الإقليمي تحت طائلة الابتزاز والتشكيك الممنهج.

المؤكد اليوم أن الهجمة الجديدة القديمة على الأجهزة المغربية لن تغير من الواقع الميداني والسياسي في شيء. فالمملكة المغربية بدستورها ومؤسساتها القضائية والأمنية تمارس مهامها السيادية في نطاق كامل من الاحترام للقانون والضوابط الدستورية والمواثيق الدولية، ولا تحتاج إلى شهادة من “أمنستي” أو من غرف التحرير الباريسية.

وستظل المؤسسة الأمنية المغربية بشهادة الشركاء الدوليين المنصفين نموذجا في الاستباقية والمهنية، وأكبر من أن تنال من سمعتها وهيبتها بالونات الاختبار الموسمية أو التقارير الموجهة التي يربكها أن ترى المغرب بلدا سيدا، حرا، وقويا لا يقبل الوصاية ولا ينحني أمام حملات الإرباك التضليلية.

الحقيقة التي يخشاها البعض: المغرب ليس دولة تُستهدف بتقارير جاهزة، بل دولة تُبنى بالإنجازات، وتُحمى بمؤسساتها السيادية، وتُصان بوحدة شعبها وقيادته. ومن يريد أن يفهم، فليفهم.

error: Content is protected !!