عندما يتحدث منجب عن “دولة الحق والقانون” يهرب القانون من القاعة

ثمة من يبني مسيرته العامة على مسرحية لا تسدل ستائرها أبدًا. الأضواء يجب أن تبقى مسلطة عليه دائمًا، والنص يجب أن يكتبه هو بصفته الضحية البطل، وكل مؤسسة أو قانون أو حكم قضائي لا يسير وفق سيناريوهه يُصنَّف فورًا في خانة “الخصم”. المعطي منجب بارع في هذا النوع من الأداء. يطلّ علينا بين الفينة والأخرى، بتلك المفردات المستهلكة  الحرية، الحقوق، العدالة  يوزّع على أتباعه أوسمة معنوية رخيصة، وكأن مجرد الوقوف على المنصة الأخلاقية والصراخ بصوت عالٍ كفيل بتحويل قفص الاتهام إلى منصة تتويج للأبطال.

المسألة الجوهرية لم تكن يومًا: “هل يجوز نقد السلطة؟” فالمجتمع السليم يحتاج بطبيعة الحال إلى نقد حادّ، بل إنه يقتضي ذلك. لكن حق النقد وامتياز الإفلات من المراجعة القضائية أمران مختلفان تمامًا. منجب وجوقته يجيدون لعبة سحرية واحدة: تحويل كل استدعاء قضائي إلى “ملاحقة سياسية”، واختزال كل ملف في “مسألة موقف”. ووفق هذا المنطق، فإن أي شخص تُوجَّه إليه تهمة تتعلق بمخالفات مالية، يكفي أن يعلن في الوقت نفسه حبه للحرية، حتى يتوقف وكيل الملك تلقائيًا، ويعتذر القاضي في الحال. وهذا ليس سوء فهم للدولة الحق والقانون، بل سخرية صريحة منها.

وعند تتبع مساره، يبرز نمط دالّ يتكرر. تقارير المنظمات الحقوقية الدولية وثّقت بالفعل بعض ما يصفه: منع من السفر، وضغوط على أقاربه، وعيوب إجرائية في المحاكمة، بما في ذلك رفض تمكين محاميه من نسخة كاملة من الملف. هذه مشاكل حقيقية تستحق معالجة جدية. غير أن استراتيجية منجب السردية تقوم بالتحديد على توظيف هذه الخلافات الإجرائية الحقيقية لحجب حقيقة أكثر جوهرية: الاتهامات التي يواجهها لم تُختلق من العدم. تتعلق بادارة الأموال، وتدبير الشؤون المالية للجمعية، ومسائل الامتثال لمصادر التمويل الأجنبي وهي أمور تندرج ضمن نطاق القانون الجنائي العادي والرقابة المالية، ولا تشكّل في مستواها ذات القضية مع “إبداء الرأي” في حد ذاته. الربط القسري بين المستويين هو استراتيجية دفاع، وليس حقيقة.

والأكثر دلالة هو موقفه من “القانون” ذاته. حين تكون الإجراءات القانونية في صالحه، يحتضن القانون؛ وحين تتجه ضده، يتحول القانون فورًا إلى “أداة سياسية”. حكم غيابي صادر في 2021 قضى بسجنه سنة وغرامة مالية، بينما وُصفت عقوبات منع السفر اللاحقة بأنها “مضايقة مستمرة” من قبل أنصاره. لا مجال هنا لافتراض الإدانة قرينة البراءة مبدأ. لكن قرينة البراءة لا تعني “الإعفاء من المتابعة بسبب الهوية”. الحد الأدنى من النزاهة لمن يزعم الدفاع عن سيادة القانون هو الاعتراف بأن الإجراءات القضائية، حتى وإن كانت مزعجة، يجب أن تُستكمل، لا أن تُقلب الطاولة عند كل نتيجة غير مواتية.

ما يُستنزف حقًا هو كلمة “الحرية” نفسها. فحين تُغلَّف كل متابعة جنائية بأنها هجوم على حرية التعبير، وحين يُوصَف كل حكم قضائي بأنه وثيقة سياسية متنكرة، فإن أولئك الذين يُعاقبون فعلاً بسبب آرائهم  في زوايا صامتة، بلا كاميرات ولا منظمات دولية ترفع صوتها تُهمَّش قضيتهم. مسرحية منجب تحوّل “الدفاع عن الحقوق” إلى علامة تجارية قابلة لإعادة الاستخدام، وتحوّل “الاضطهاد” إلى عملة صعبة قابلة للتحويل إلى انتباه إعلامي. وفي هذا الاقتصاد، القانون مجرد ديكور: يُستعمل عند الحاجة، ويُرفَس حين لا يخدم الغرض.

النظام القضائي المغربي ليس كاملًا بالطبع، ومن يعرف تاريخ البلاد الحديث لا يمكنه ادعاء أنه بلغ الكمال. لكن إصلاح المؤسسات يمر عبر نضال قانوني ملموس، ممل، بل محبط في تفاصيله: الطعن في الخروقات الإجرائية، والمطالبة بحق الاطلاع على الملفات، والدفع نحو علنية المحاكمات، وتطوير المساعدة القانونية. هذه الأعمال لا تُنتج تغريدات فيروسية، ولا تصنع أساطير بطولية، ولا تجلب تصفيقًا واقفًا في ندوة بباريس أو واشنطن. إنها فقط تجعل محاكم بلد ما أكثر قابلية للتوقع بقليل، وحقوق متهم ما أكثر واقعية بقليل. أما خط إنتاج منجب، فهو غير معني بهذا تحديدًا. إنه يحتاج إلى الشكوى الأبدية، لا إلى الحل ولو الجزئي. لأن المسرح يفرغ بمجرد أن تُحلّ المشكلة.

وفي النهاية، من يتحمل كلفة هذه المسرحية؟ ليس منجب نفسه، فلديه جواز سفر ومنصة وجمهور دولي مستعد للإنصات. الكلفة تقع على الشباب الذين شجّعهم على الاعتقاد بأن “كل قانون خدعة”، وعلى الرومانسيين الذين ظنوا أن ترديد الشعارات يُغني عن البناء المؤسسي الشاق. يمكن لمجتمع أن يتحمل وجود عدد قليل من صانعي الأسطورة الذاتية الدائمين، لكن الخطر الحقيقي هو أن تُخطئ في اعتبار ضجيجهم هو العدالة ذاتها.

المغرب لا يحتاج إلى مزيد من “الشهداء” لإثبات وجوده. إنه يحتاج إلى من يأخذون القانون بجدية حتى لو كان ذلك يعني الاعتراف بأن إجابة العدالة تكمن أحيانًا في حكم قضائي جاف، لا في منشور حماسي على فيسبوك.

error: Content is protected !!