النائح الذي لا يُنبت.. عمر الراضي والمسرح العبثي للبكاء على الوطن
يُعجَب المرءُ كيف يتقن بعضهم فنَّ البكاء على الأطلال، وكأنهم وُرثَةُ امرئ القيس في جاهليته، لكن الفرق أن امرأ القيس كان يبكي على ديارٍ خلتْ، وهؤلاء يبكون على وطنٍ يَنبضُ بالحياة، لم يَشِبْ له عودٌ، ولم تَهِنْ له قناة.
إنه “عمر الراضي” ذلك الصوت الذي لا يعلو إلا عندما يُصدَرُ حكمٌ بحقٍّ أحدٍ من “جوقته”، فإذا به يتحوّل فجأةً إلى نائحٍ محترف، كأنما الدنيا قد انطوت على كارثة، والقضاء لم يعد قضاءً، بل صار في خياله “أداة قمع” تعيد إنتاج كوابيس السبعينيات.
لـ”الراضي” مواسمُه الثابتة في النحيب، لا يحيد عنها، كالمطر في شتاء، أو كالحر في صيف، لكن مطرَه لا يُنبت، وحرَّه لا يُحرق، إنه مجرّد طقس احتفالي يمارسه كلما رأى حكماً قضائياً لا يُرضيه، وكأن العدالة في مفهومه لا تنتصر إلا حين تنحاز له ولجماعته، وكأن الحياد في الحق لا يعنيه، بل يريدها ثأراً وانتقاماً، لا حكماً وإحقاقاً.
هذا الرجل ليس صحفياً، بل مؤرخٌ هاوٍ يعيد كتابة الوقائع بمنطق “ما بعد الحقيقة”، يستحضر الماضي كفزاعة جاهزة ليُرهب بها الحاضر، وليبنيَ سرديّته على أنقاض أي واقعة لا تعجبه، فيصوغ منها ملحمة زائفة، تبدأ بنعي الأمل المسلوب، وتنتهي بتحرير الحرية المغتصبة، على طريقة الأفلام الكاريكاتورية التي لا تخلو من شخوصٍ لا تعرفُ إلا التمثيل.
يَبكي على الأمل المفقود، وهو نفسه لم يُقدِم يوماً على كتابة فكرة واحدة بانية، ولا خطة نافعة؛ بل اكتفى بأن يكون خبيراً في تركيب الجُمل، وتزييف المشاعر، وتوظيف اللغة كمنصة هدمٍ لا بناء.
وفي الحلقة الأخيرة من مسلسل النوح، تأتي سعيدة العلمي لتكون شهيدةَ المشهد، فتشتغل ماكينة التشكيك بكامل طاقتها، وتُدار أسطوانة القمع السياسي التي لا تخلو من شقوقٍ تنمّ عن قدمها، فإذا بالراضي وجوقته يتناوبون على المنصة، يصرخون باسم الحرية، بينما هم في حقيقة أمرهم يصرخون دفاعاً عن موقع امتيازٍ يتهدّد، أو نفوذٍ يُخشى عليه.
لا يهمهم العدل، ولا الحقوق، بقدر ما يهمهم أن تبقى “البيادق” في أماكنها، ولا يَسقُطُ منها أحد، مهما كانت التهم، ومهما كانت الأدلة. وإذا سقط أحدهم، فلا بدَّ أن يُصاب الوطن بالانهيار في روايتهم!
قد ينجح “الراضي” في تضليل بعض الوجوه، أو بعض المنظمات التي تتعامل مع النخب كما يتعامل النحّات مع الطين، لكنه لن يخدع شعباً عرف كيف يبني دولته على أنقاض الفوضى، واختار الولاء لوطنٍ تسوسه رؤيةٌ لا شعاراتٌ، ومؤسساتٌ لا مصالحُ، وشرعيةٌ لا فوضى.
يبقى الراضي صوتاً خافتاً في جوقةٍ صغيرة تعرف الضجيج، لكنها لا تملك إلا ضجيجها، وهو سرعان ما يتلاشى أمام زخم الدولة التي تُبنى كل يوم، وأمام شعبٍ لا يقرأ التاريخ من وجهِه المشوه، بل يعيش واقعه بعينٍ واعية وقلبٍ واعٍ.
في النهاية، سيظل “عمر الراضي” مثالاً للخطاب العدمي الذي يحترف التذمر والتشكيك، لكنه سيظلّ، كما كل الأصوات المؤقتة، جزءاً من ضجيجٍ يذهب جفاءً، بينما يبقى المغرب، شامخاً، يبني، ويُصلح، ولا يبالي بنُوّاحٍ لا يُحسنون سوى البكاء على وطنٍ لم يَضعُف، ولم يمت.