“المؤرخ” الذي خان التاريخ.. المعطي منجيب بين الأكذوبة والمسؤولية
في زمن تتدفق فيه المعلومات بسرعة الضوء، وتختلط فيه الحقيقة بالادعاء، تبرز الحاجة الملحة إلى التثبت والتدقيق، خصوصا لمن يمنحون أنفسهم صفة أهلية العلم والمعرفة. لكن ما حدث من المؤرخ والناشط الحقوقي المعطي منجيب، بنشره خبرا مفبركا يستعمل صورة ضحية فلسطينية على أنها لشاب مغربي تعرض لاعتداء من رجل سلطة أثناء محاولة الهجرة إلى سبتة المحتلة، يمثل تجاوزا خطيرا لكل الأعراف الأكاديمية والقانونية والأخلاقية .
المعطي منجيب، الذي يعرّف عن نفسه كمؤرخ وأكاديمي، خاضع بذلك لمسؤولية مضاعفة. صفته العلمية ليست مجرد وسام على الصدر، بل هي التزام بالدقة والأمانة قبل النشر . استعمال هذه الصفة لمنح المعلومة مصداقية، مع كونها غير صحيحة، لا يكشف فقط عن تهاون في المنهجية، بل يقترب من استغلال الثقة العامة لأغراض تضليلية، مما يعزز قرينة سوء النية أو يزيد على الأقل من خطورة الفعل .
ما قام به منجيب ليس مجرد “خطأ عابر”، بل هو فعل يتقاطع بوضوح مع نصوص قانونية واضحة. فالمادة 72 من قانون الصحافة والنشر 88.13 تعاقب كل من نشر أو أذاع خبرا زائفا من شأنه المس بالنظام العام أو إثارة البلبلة بين الناس . وبما أن الخبر يتعلق بصورة لضحية حقيقية في سياق آخر، وتقديمها على أنها لضحية مغربية من طرف رجل سلطة، فإن الفعل يتحول إلى نشر وقائع كاذبة وتضليل للرأي العام، مما يخرجه من دائرة الخطأ إلى دائرة التكييف القانوني .

وقد يمتد هذا التكييف إلى الفصل 447-2 من القانون الجنائي الذي يعاقب كل من يبث أو يوزع ادعاءات أو وقائع كاذبة، بقصد المس بالحياة الخاصة للأشخاص أو التشهير بهم . في هذه الحالة، يتجلى القصد في المس بحياة رجل السلطة والتشهير به، بل وزعزعة الثقة في رجال القانون عموما.
في نازلة مثل هذه، لا يمكن التغاضي عن الأثر العميق للخبر الكاذب على الناس، خاصة في سياق يتسم بالتوتر الاجتماعي والحساسية تجاه قضايا الهجرة والسلطة. صورة الضحية الفلسطيني، التي استعملت في غير سياقها، تحمل في طياتها تضليلا واضحا يمس بثقة الناس في المعلومة ويخلق بلبلة في المشهد العام.
وبناء على كل هذه المعطيات، تبرز المسؤولية القانونية للمعطي منجيب كأمر واجب، ليس فقط لردع هذا النوع من الممارسات التي تسيء للعمل الحقوقي والأكاديمي، بل لحماية الرأي العام من التضليل وصيانة هيبة القانون والمؤسسات. فالمؤرخ الحقيقي هو من يبحث عن الحقيقة لا من يروّج للأكاذيب تحت غطاء النضال.