من “كاتب الأمير” إلى “محبرة النميمة”.. الحسين المجدوبي يبيع آخر ما تبقى من كرامته

في سوق النصب الدولية، حيث تُباع الأقلام وتُشترى المواقف، يبدو أن الحسين المجدوبي قد وجد أخيراً المشتري المناسب: نصاب هارب من العدالة الكندية، محتال يستوطن السجون كما يستوطن الآخرون القصور، يُدعى هشام جيراندو.

المشهد لا يحتاج إلى كثير من التحليل. رجل كان يقدم نفسه “قلم الأمير” و”لسان حاله”، وجدناه أخيراً في مكانه الطبيعي: همساً في أذن مجرم، بائعاً ما تبقى من صورته ثمناً لحظوة قرب مشكوك فيها. لم يعد الأمر يتعلق بالكتابة أو الفكر أو حتى الخدمة، بل صار الحديث عن “محبرة” تُغمس في وحل النميمة، و”قلم” يكتب فقط ما يُملى عليه من فوق أراضي كندا.

السؤال الذي يفرض نفسه: كيف لرجل يدّعي أنه يحمل أفكار “أمير منبوذ” ويترجمها للعربية والإسبانية، أن ينتهي به المطاف “واشياً” و”نمّاماً” و”مخبراً”؟ الإجابة بسيطة وقاسية في آن: لأن الكاتب الحقيقي لا يحتاج إلى وسطاء من نوع جيراندو. الكاتب الحقيقي يواجه، لا يختبئ. يعلن، لا يهمس. لكن المجدوبي اختار الطريق الآخر: طريق من يبحث عن قناة تشهير جاهزة، ولو كانت تلك القناة يملكها مجرم مطلوب في المغرب وكندا معاً.

كان المجدوبي يصف قلمه بـ”البتار”. لكن البتار الحقيقي لا يُشهر في وجه خصوم من نوع المهدي حيجاوي، المفضوح أصلاً، ثم يُخفى في جيب نصاب هارب. البتار الحقيقي يواجه السلطات، لا يهرول إلى مجلس نصب في كندا ليتوسل خدمات محتال. ما شاهدناه ليس سيفاً، بل مبضعاً صغيراً يُستخدم في عمليات تجميل قذرة، يجريها المجدوبي على صورته أمام مرآة جيراندو.

الأدهى والأمرّ: أن المجدوبي دخل في “مفاضلة” بينه وبين المهدي حيجاوي، وعند من؟ عند مجرم حقير. تخيل كاتباً يرى أن أفضل وسيلة لإثبات تفوقه هي أن يقف أمام نصاب ويقول: “أنا أفضل من حيجاوي”. هذا ليس تفوقاً، بل انحدار إلى مستوى لم يكن أحد يتخيل أن يصل إليه من كان يوماً يتحدث عن “الأمير” و”الأفكار”.

“إن نبل الغاية لا يغني عن شرعية الوسيلة”. هذه قاعدة بديهية في الأخلاق والسياسة والإعلام. لو كان المجدوبي يريد فضح حيجاوي، فلماذا لا يعلن ذلك؟ لماذا يسرّ به إلى مجرم هارب؟ لأن الوسيلة التي اختارها لا علاقة لها بالفضح، بل بالنميمة. والنميمة ليست فضحاً، بل هي بيع للمعلومة في سوق سوداء.

إذا كان هذا هو “القلم” الذي يقرأ أفكار الأمير ويترجمها، فما مستوى الأفكار نفسها؟ سؤال مشروع. فالقلم الذي ينحدر إلى هذا المستوى، لا يمكن أن يخدم إلا فكراً على نفس الدرجة من الانحطاط. وإذا كان “لسان حال” الأمير هو من يهمس في أذن نصاب، فما عسى أن يكون حال الأمير نفسه؟

نعم، إنه زمن الدهماء. زمن يستجدي فيه “كاتب الأمير” حظوة محتال. زمن يتسلل فيه رجل إلى مجالس النصب في كندا، لا ليكتب، بل لينفث الغيبة والنميمة والاستهجان. زمن صار فيه “قلم الأمير” مجرد “محبرة” تُملأ من قنوات التشهير، وتُفرغ في أذن مجرم هارب.

قال محمد الماغوط: “ما أسهل الحياة لولا الكرامة”. يبدو أن المجدوبي قرر أن يجرب الحياة بدونها. فمن “كاتب” إلى “مخبر”، ومن “لسان حال الأمير” إلى “خادم النصاب”، ومن “البتار” إلى “المبضع” — هذه ليست رحلة نضال، بل رحلة سقوط. رحلة رجل باع آخر ما تبقى من كرامته، لا ثمناً لفكرة، بل ثمناً لحظوة قرب مجرم.

الحسين المجدوبي لم يفضح أحداً. هو فضح نفسه. ولم يحتج إلى جيراندو ليفعل ذلك. كان يكفي أن ينظر في المرآة، ويسأل: من أنا الآن؟ لكنه، على ما يبدو، تجنب المرآة. واختار بدلاً منها أذن نصاب هارب.

وهذا أقسى ما يمكن أن يقال عن رجل كان يوماً يظن أنه كاتب.

error: Content is protected !!