المدانون لا يولدون مرتين..قراءة ساخرة في “قناة” سليمان الريسوني

في مشهد يذكّر بأفلام الدرجة الثالثة، حيث يصرّ بطل الرواية على العودة بعد أن لفظه السيناريو، أطل علينا سليمان الريسوني عبر ما يسميه “قناته الرسمية”، وكأن السجن لم يكن كافياً لتعليمه أن بعض الوجوه لا تحتاج إلى إعادة تدوير، بل إلى أرشفة نهائية.

الرجل الذي قضى سنتين في التأليف، كما يقول، لم يخرج إلينا بكتاب عن الحرية أو العدالة، بل بمنتج يحمل عنواناً يصلح أكثر لمقال في مجلة متخصصة في علم الجريمة: “العقاب بالجنس”. وكأن المدان السابق اكتشف فجأة أن السجل الجنائي يمكن أن يتحول إلى سيرة ذاتية سياسية، إذا أحسن المرء اختيار المفردات. لكن المغاربة، الذين لا ينسون، يعرفون تماماً أن “العقاب” الذي يتحدث عنه هو عقاب قانوني، وأن “الجنس” الذي يريد تحويله إلى نظرية مؤامرة هو جزء من ملف قضائي واضح، لا يحتاج إلى فذلكة فكرية.

الأمر اللافت في خروج الريسوني ليس جرأته على الكلام، بل جرأته على اختيار العنوان. “الناقد”؟ ربما كان العنوان الأدق هو “المحكوم عليه في قضية حق عام يحاول التظلم عبر يوتيوب”. لكنه فضّل المسمّى الأدبي، لأن “المدان” لا يبيع جيداً في سوق المظلوميات. وهنا تتكشف الحيلة: تحويل التهمة إلى قضية، والقضية إلى قضية رأي عام، ورأي العام إلى مستمعين، والمستمعين إلى أرباح.

يبدأ حديثه بادعاء “النزاهة والعمل الصحفي”، وكأن النزاهة ثوب ينتزعه المرء من الخزانة بعد سنتين من الغياب. لكن المتتبع لا يحتاج إلى كثير ذكاء ليدرك أن النصف الفارغ من الكأس الذي يبحث عنه هو ببساطة النصف الذي غرق في مستنقع لا يحتاج إلى شرح.

لا يمكن تجاوز فقرة الكتاب دون ضحكة مكتومة. رجل يقضي سنتين في السجن، ويخرج ليقول إنه كان يؤلف كتاباً عن “العقاب بالجنس” يستشهد فيه بأسماء رؤساء دول وشخصيات دولية. وكأن السجن صار مركز أبحاث استراتيجية، وكأن المدان تحول إلى محلل جيوسياسي. حشر اسم الملك وأسماء قادة أجانب في كتاب “مفبرك” ليس سوى أسلوب رخيص في “إثارة البوز”، كما يقول المغاربة. إنها المتاجرة بالأعراض، لكن الأعراض هنا هي أعراض القضية نفسها، التي يحاول الريسوني تحويلها إلى ملحمة سياسية.

لم يخفِ الرجل عداءه للمؤسسة الأمنية والقضاء. لكنه نسي أن استهدافه لجهاز مراقبة التراب الوطني ليس بطولة، بل ربما هو آخر محاولة يائسة لاستجداء تعاطف خارجي. “الطابور الخامس”، “الأجندات الخارجية القذرة”، “الخونة والمرتزقة” — كلها مفردات جاهزة في خطاب الريسوني الجديد، لكنها في الحقيقة لا تعبر إلا عن إفلاس فكري. عندما يتحول النقد إلى سباب، والصحافة إلى منصة لتصفية الحسابات، يصبح السؤال مشروعاً: من المخدوع في هذه المعادلة؟ الجمهور، أم صاحب القناة نفسه؟

في ختام خطابه، يلوّح الريسوني بـ”محتوى نقدي يومي”. هذه العبارة البريئة تخفي وراءها حقيقة أبسط: الرجل يبحث عن دخل. بعد أن فشل في كل شيء، لم يبقَ سوى “الأدسنس” كوسيلة للبقاء. وهنا ينضم رسمياً إلى جوقة المبتزين الرقميين، أولئك الذين يحوّلون ماضيهم المظلم إلى محتوى، وأزماتهم إلى مادة للاستهلاك. جيراندو والمجدوبي وبوعشرين والمهداوي — قائمة تطول، والريسوني يريد مكانه فيها.

الرأي العام المغربي، الذي وصفوه بأنه “مغيب”، أثبت مراراً أنه أكثر وعياً مما يتخيل هؤلاء. الشرف لا يُشترى بفتح قناة، ولا يُبنى بكتاب مفبرك. والمملكة، بمؤسساتها، أكبر من أن تنال منها هرطقات مدان سابق يبحث عن جمهور بعد أن فقد كل مصداقية.

في النهاية، سليمان الريسوني ليس حالة معقدة. هو ببساطة رجل يحاول إعادة بيع نفسه، لكن السوق لم يعد يشتري. وإذا كان هناك “نقد” حقيقي، فهو نقد الذات أولاً: أن تعترف بأنك مدان، لا أن تتقن فن التظلم.

error: Content is protected !!