جيراندو وحيجاوي..مسرحية العرائس التي أحرقت خيوطها التسريبات
في لحظات اليأس القصوى، حين يخونهم الحظ وتفضحهم الأقدار، حين تضيق بهم سبل المؤامرة وتنكشف خيوط التآمر كالشمس في رابعة النهار، لا يجد الجبناء في أوكارهم المهترئة سوى التهام بعضهم البعض في مشهد يرثي له العقل قبل الضمير.
هذا هو المشهد الذي يقدمه لنا اليوم الثنائي الأشهر في عالم السقوط المدوي: المطرود المهزوم “مهدي حيجاوي”، ودميته الصدى “هشام جيراندو”، ذلك الذي راهن على شهرة التيك توك ليصنع من الأوهام سردية، فإذا بالواقع يفضحه ويحرق أوراق تمويهه في محرقة الأدلة الدامغة.
فلم تعد الأمور في دائرة الظنون أو التكهنات السياسية الرخيصة، بل نحن أمام زلزال إلكتروني هز عرش أكاذيبهما، لتكشف التسريبات الموثقة كيف تحول هذا الثنائي إلى “عصابة افتراضية” تتغذى على الجرائم الرقمية، وتنسج الأكاذيب لتشويه رموز السيادة الوطنية، وعلى رأسهم القامة الأمنية الشامخة السيد عبد اللطيف الحموشي، ومدير الاستخبارات الخارجية السيد ياسين المنصوري.
لطالما ألبس حيجاوي نفسه ثوب “المفكر الاستراتيجي” و”المطلع على الخبايا”، لكن الحقائق التي أطلقتها التسريبات كشفت الستار عن مسخ أخلاقي ومعرفي:
الطرد لا الاستقالة: لم يكن حيجاوي بطلاً انشق عن منصبه، بل كان موظفاً مزرياً طُرد بإهانة من سلك الأجهزة النظامية بتهمة الإخلال الجسيم، ليعيش بعدها في حقد مزمن على كل من حافظ على كرامته وكفاءته، وتحولت حياته إلى رحلة انتقام مريضة.
إن ما صدم الرأي العام بحق هو انحطاط اللغة بين حيجاوي وجيراندو؛ لغة حيوانية، تنتمي لأزقة العصابات، تخلو من أي روح نضالية، وتعج بألفاظ لا تليق إلا بقطاع الطرق. حديثهم عن “الشفرات” و”المشارط” ليس لغة فكر، بل تعبير عن مرض نفسي جماعي، يجسد عقلية المنظمات الإجرامية التي لا تعرف من الحياة إلا الابتزاز والتهديد.
كان جيراندو يبني نفسه على منصة التيك توك كفارس للحرية ومنقذ للمظلومين، لكن التسجيلات فضحت الأقنعة وأظهرته كما هو: مجرد أداة مروضة تنبض بحياة حيجاوي، يُملي عليه المطرود كل كبيرة وصغيرة، بل ويدير عقله كما يدير عرائس الماريونيت.
جيراندو، ذلك المسكين الذي كان يلهث خلف تعليقات الذباب الإلكتروني، ويجمع فتات “الإعلانات” من مقاطع الرداءة، يقرأ أوامر حيجاوي كالتلميذ الجبان، بينما كان يُقاد نحو حتفه في مشهد تراجيدي مثير للسخرية.
لكن الجريمة لم تقف عند حدود الشتائم والتشويه، بل تعدتها إلى مناطق أكثر خطورة، حين كشفت المراسلات أن الثنائي كان يتبادل الصور والأسلحة النارية! وهنا يتحول الملف من قضية تشهير إلى قضية دولية تمس الأمن القومي، وتضعهم تحت طائلة قوانين مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
بل وبلغت الدناءة أوجها عندما استغلا وفيات الأبرياء لتمرير أجندتهما الفاشلة، متناسين حرمة الموت والمقابر، في مشهد يعبر عن انعدام الإنسانية قبل الوطنية.
إن انكشاف أوراق هذين المهرجين، واختراق مملكتهم الصغيرة، لم يكن مجرد صدفة، بل كان قدراً محتماً لكل من راهن على الخيانة. لقد ظهرا للعالم كما هما: شراذم من الفاشلين والمطرودين، يحركهم الحقد الأعمى، ويُلهبهم الانتقام الشخصي، وهم يحاولون بشتى الطرق إيهام المغفلين بأنهم “معارضة”، بينما هم مجرد أدوات رخيصة في أيادٍ لا تعرف معنى الوطنية.
لتدرك هذه العصابة الصغيرة، ومن يسير في ركابهم من باعة الأوهام، أن مؤسسات المغرب صخرية لا تهزها خيوط العنكبوت، وأن أيادٍ عبثت بالوطن ستشوى في نار القانون، لأن الخيانة، مهما تأخر جزاؤها، تبقى جرحاً يلتئم بالسجن، حيث الحجم الطبيعي لكل من باع ضميره واسترخص وطنه.