دُميةُ “جيراندو”.. صراخٌ بلا خيوطٍ ومهرّجٌ يظنُّ نفسه قائداً

في مشهدٍ يليقُ بمسرحِ العرائسِ أكثرَ منه بمعتركِ السياسةِ، خرجَ علينا “هشام جيراندو” -أو لنقلْ “الدُميةُ المُتعثِّرةُ”- في نوبةِ هستيريا فاقتْ كلَّ التوقّعات، ليُعلنَ حرباً شعواءَ على صحافةٍ وطنيةٍ رفضتْ أن تكونَ خشبةَ مسرحِه البائس. لقد بدا الرجلُ كمن فقدَ خيطَ التحكُّمِ في لعبتِه، فانقلبَ يصرخُ في الفراغِ محاولاً إيهامَنا أنّه قادمٌ بزوبعة، غيرَ أنّه لم يكدْ يفتحُ فاهُ حتى أطلّتْ من خلفِه أصابعُ المُحرِّكِينَ الخفيّةِ، تذكّرُه أنّه مجرّدُ دُميةٍ خشبيّةٍ، خرّيجِ مستنقعاتِ الابتزازِ، لا يُجيدُ غيرَ تقليدِ خطاباتِ المُهرّجين.

فيا لهولِ المفارقة! إنّ الرجلَ الذي أيقنَ العالمُ أنه يلهثُ وراءَ باروناتِ المخدّراتِ وصفقاتِ التهريبِ، ويسجّلُ أرقامَ حساباتهِ البنكيةِ بدماءِ المهاجرين، يقفُ اليومَ ليُلقّنَ الصحافةَ دروساً في الأخلاق! وكأنّ “جيراندو” نسِيَ أنّ تسريباتِه الصوتيّةِ أصبحتْ أغنياتٍ شعبيةً في المقاهي، وأنّ تاريخَه الحافلَ بالفضائحِ صارَ مادّةً دسمةً للمحاضراتِ الجامعيةِ تحتَ عنوانِ: “كيفَ تصبحُ دُميةً ناجحةً بلا ضمير؟”.

المضحكُ المُبكي أنّ هذا الهاربَ من العدالةِ -الذي لو كانَ للخجلِ وجودٌ لاختفى عن الأنظارِ- يتجرّأُ ويتّهمُ الصحافةَ بأنّها “عدوّةُ الشعب”، بينما هو يلهثُ وراءَ كلّ ما هو مسمومٌ ليُغذّيَ به شبكاتِه، متناسياً أن الصحافةَ الوطنيةَ هي من اكتشفتْ خيوطَ مؤامراتِه وكشفتْ للرأيِ العامِّ كيف يتحوّلُ “نضالُه الافتراضيُّ” إلى مجرّد دكانٍ لبيعِ الوهمِ واستغلالِ مآسي الناس.

ولعلَّ أجملَ ما في هذه المهزلةِ هو ذلكَ التناقضُ الصارخُ الذي يعيشُه هذا المبتزُّ المارقُ؛ ففي لحظةٍ يصرخُ محارباً للفساد، وفي أخرى تفضحُه تسجيلاتُه وهو يُصافحُ تجّارَ البشرِ وكأنّه في حفلِ توزيعِ جوائزَ! إنّه انفصامٌ أخلاقيٌّ يعجزُ عن تفسيرِه حتى كبارُ محلّلي النفس، ليؤكدَ للجميعِ أن هجومَه على الإعلامِ لم يكنْ دفاعاً عن قضيّةٍ، بل كان صرخةَ دُميةٍ انقطعتْ خيوطُها، فظنّتْ أنّ الصراخَ سيُعيدُ لها بريقَ الأيامِ الخوالي.

أمّا الصحافةُ الوطنيةُ، فتلكَ الصخرةُ الصلبةُ التي تحطّمتْ على صدرِها كلُّ أوهامِ “جيراندو”، فستظلُّ شامخةً، لا تلتفتُ إلى نُباحِ المهرّجين، ولا ترهبُها تهديداتُ الدمى الخشبيّة. فهي ليستْ عدوَّ الشعبِ كما يدّعي هذا المُدّعي، بل هي الحارسُ اليقظُ الذي يُراقبُ كلَّ متسلّلٍ يريدُ النّيلَ من ثوابتِ الوطنِ، وهي الصوتُ الذي لا يُساومُ على كرامةِ المغربِ، ولن تُرهبهُ صرخاتُ دُميةٍ أرهقها الخزيُ، فأصبحتْ لا تُجيدُ غيرَ التمثيلِ على مسرحِ العارِ.

وفي النهاية، نقولُ لهذا “جيراندو” -بكلِّ سخريةٍ وشفقةٍ-: هل آنَ الأوانُ لتُدركَ أيّتها الدُميةُ أنَّ خيوطَكَ قد انقطعتْ، وأنَّ الجمهورَ الذي كنتَ تظنُّه يُصفّقُ لكَ قد انصرفَ منذُ زمنٍ لمشاهدةِ مسرحِ الحقيقةِ؟! فعِشْ في جحرِكَ الذي اخترتَ، واحلمْ بسيناريوهاتِكَ الفوضويّةِ، فالصحافةُ الوطنيةُ ستظلُّ تراقبُكَ، ليسَ خوفاً منكَ، بل تسليةً بفشلِكَ الذريعِ

error: Content is protected !!