من “هاربة” إلى “جاسوسة” في 6 أيام.. كيف يسقط الإعلام الإسباني في فخ روايات الانفصال؟

في مشهد يجمع بين سيناريو فيلم تجسس هاوٍ وافتقار صارخ لأبسط معايير المهنية الصحافية، انقلبت قصة الشابة المغربية وفاء عتيد رأساً على عقب في أيام معدودات. انتقلت وفاء، ابنة الثمانية والعشرين ربيعاً، من منصة “ضحية” تروي مأساة هروبها من قيود الدين والأسرة في المغرب، إلى قفص الاتهام بـ”الجاسوسية” و”العمالة للنظام المغربي”، وسط رواية ركيكة يكاد يُسمع فيها صرير آلات الإعلام التي أدارتها ثم بدأت في التخلص منها .

الرواية التي انطلقت بها شرارة هذا التحول العجيب كانت على لسان طالب علي سالم، الصوت الانفصالي الذي يرفع شعارات البوليساريو في الإعلام الإسباني، وهو نفسه الذي لم ينتظر أي دليل، واكتفى بصورة قديمة لوفاء وهي تحمل العلم المغربي وصورة الملك، ليطلق عليها اتهاماً جاهزاً بأنها “عميلة للنظام” . لم تكن هذه مجرد تغريدة عابرة، بل كانت البذرة التي سقاها إعلام آخرون بماء الإثارة، حتى تحولت إلى شجرة مورقة من التكهنات.

لم تمر أيام حتى وجدت هذه البذرة أرضاً خصبة لدى موقع EDATV الإسباني، ليقدم “خبراً” صورياً يزعم أن وفاء شوهدت في مقهى بسبتة رفقة “ثلاثة من رجال الشرطة المغربية”. لكن ما إن تتأمل في الخبر قليلاً، حتى ينهار أمامك كبناء من ورق . يستند الموقع في روايته إلى ما سمعه من “سكان من سبتة” أخبروا الصحفي تيتي جي بارسيلو، دون أن يذكر الموقع اسم واحد منهم، أو يقدم هوية واحدة للرجال الثلاثة، أو يثبت بأي صورة أو وثيقة أنهم مغاربة، ناهيك عن كونهم رجال شرطة مكلفين بالحدود. والأطرف من ذلك أن EDATV يعترف، في ثنايا خبره، بعدم وجود أي تأكيد رسمي إسباني أو مغربي لهذه المزاعم، ويعترف أيضاً بأنه لا يعلم مضمون الحديث الذي دار في ذلك المقهى . هكذا، ببساطة، تحول “أخبروني” إلى عنوان، وتحول العنوان إلى حقيقة، وتحولت الحقيقة إلى اتهام بالتجسس، وصولاً إلى بعض الحسابات التي راحت تتساءل عن دور المركز الوطني للاستخبارات الإسبانية في هذه القضية .

هذا التحول المذهل في الخطاب الإعلامي يحمل في طياته تناقضاً صارخاً يفضح نوايا من يقف وراء هذه العجلة الإعلامية. ففي التاسع عشر من غشت، كانت صحيفة “إل باييس” العريقة تقدم وفاء عتيد على أنها نموذج للشابة المغربية المقهورة التي هربت سباحة إلى سبتة هرباً من “عدم المساواة بين النساء والرجال” في المغرب، ومن فرض الحجاب، ومن قيود الأسرة . الرواية الأولى كانت مثالية في خدمة خطاب معادٍ للمغرب، يرسم صورة قاتمة عن وضعه الداخلي.

لكن سرعان ما بدأت هذه الرواية تنهار أمام تناقضات صارخة. فقد كشفت منشورات قديمة لوفاء على وسائل التواصل عن رحلات عديدة إلى الإمارات وتركيا، وعملها خارج المغرب، مما ضرب روايتها عن أنها كانت محبوسة في المنزل أو ممنوعة من السفر . هنا، بدأت القصة تنقلب. بدلاً من أن توجه الأسئلة حول كيفية تسويق هذه الرواية الأولى بتلك السرعة، أو ملامسة الصحافة الإسبانية التي تبنتها، قرر الإعلام نفسه قلب الطاولة على وفاء. لم تعد “ضحية”، بل “كاذبة” ادعت الفقر والحصار، واليوم صارت “عميلة” و”جاسوسة” .

هنا يبرز السؤال المحرج: هل بدأنا نشهد عملية التخلص من وفاء عتيد، بعد أن استنفدت غرضها الإعلامي كأداة للطعن في المغرب، وأصبحت تناقضاتها عبئاً على من روجوا لروايتها الأولى؟ لقد تحولت وفاء خلال أيام من “الضحية التي تستحق الحماية” إلى “مصدر شبهة أمنية” يُراد دفعها خارج دائرة الاهتمام، أو الضغط لرفض أي طلب لجوء محتمل منها .

لكن أخطر ما تكشفه قضية وفاء هو ذلك الخيط الرفيع الذي يصل بين الروايات المعادية للمغرب، والذي يبدو أن أناساً في إسبانيا يمدونه بأيديهم. فطالب علي سالم، الصوت الانفصالي الذي تدعمه الجزائر ويمثل أجندتها في تندوف ، هو من أطلق أول اتهام بـ”العمالة”. بعدها جاء إعلام آخر ليقدم رواية “المقهى والشرطة المغربية”، ثم أعقبته منشورات تطالب بالتحقيق معها. التسلسل الزمني يفضح كيف يمكن لرواية سياسية منحازة أن تصبح المادة الخام التي يشتغل عليها بعض الإعلام، لقراءة كل الوقائع من داخلها.

في النهاية، أصبحت وفاء عتيد، التي حملت العلم المغربي وصورة ملكه في صورها، وقادتها تناقضاتها إلى هذا المأزق، مرآة تعكس أزمة أخلاقية ومهنية لبعض من تعاملوا معها. لقد تحولت من ورقة في لعبة إعلامية إلى حمل ثقيل يُراد التخلص منه، ومن “ضحية” إلى “جاسوسة”، فقط لأن السيناريو الأول لم يعد صالحاً للاستخدام، بينما السيناريو البديل يخدم أهدافاً أخرى لمن يريدون النيل من المغرب.

error: Content is protected !!