متلازمة حموشي..تشريح نفسي لهوس استهداف المؤسسة الأمنية المغربية

في علم النفس الاجتماعي، هناك ظاهرة تُعرف بـ”الإسقاط الجماعي”، حيث تتحول أحقاد فردية متراكمة إلى خطاب جماعي منظم يبحث عن كبش فداء واحد يتحمل أوزار كل شيء. وفي علم الاجتماع السياسي، يُسمى هذا “الشخصنة المرضية للصراع”، حيث تُختزل قضايا بنيوية معقدة في شخص واحد يُمنح قدرة خارقة على التحكم في كل شيء. هذان المفهومان معاً يقدمان المفتاح لفهم ما يمكن تسميته اليوم، بلا مبالغة، “متلازمة عبد اللطيف حموشي”: حالة نفسية جماعية تصيب كل من له عداء مع المغرب، فيتحول المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني إلى محور كل شرور الكون في مخيلته. لم يكن استهداف المؤسسات الأمنية في المغرب يوماً استثناءً، فكل دولة تنعم باستقرار أمني في محيط مضطرب تدفع ثمن ذلك من دائرة خصومها.

 

لكن الجديد في السنوات الأخيرة ليس في وجود الاستهداف، بل في انحداره من مستوى الصراع السياسي والجيواستراتيجي إلى مستوى الحالة النفسية المرضية. فبعد أن كان الخصم يستهدف المغرب بحسابات جيوسياسية واضحة، أصبح اليوم يستهدفه بهوس قهري يجعل من اسم واحد، عبد اللطيف حموشي، مفتاحاً لتفسير كل شيء. ارتفعت الأسعار؟ حموشي. تفشت البطالة؟ حموشي. تلوث الهواء؟ حموشي. جفّت السدود؟ حموشي. حتى شجار في الشارع العام، في مخيلة هؤلاء، لا بد أن خيطاً ما يربطه بالمدير العام للأمن الوطني. هذا الإلحاح القهري على إلصاق كل قطاعات الحياة بحموشي ليس نقداً سياسياً، بل هو بالضبط ما يصفه علماء النفس بـ”الفكر الزائف”: ربط أحداث لا علاقة لها ببعضها بعلاقة سببية وهمية، ثم بناء سردية كاملة على هذا الوهم.

 

النموذج الأوضح لهذا الانحراف النفسي يأتي من هشام جيراندو، النصاب الهارب الذي حوّل صفحته “تحدي” إلى مسرح للكوميديا السوداء. في أحدث حلقاته، نسج قصة خيالية يتهم فيها حموشي شخصياً بالتستر على جرائم موظف شرطة بمراكش، مدعياً أن الأخير أودع خصمه مستشفى الأمراض العقلية بعد اتهامه بالخيانة الزوجية. الحقيقة، كما تؤكدها مصادر متطابقة، أبسط من ذلك بكثير: موظف شرطة يعاني من أعراض نفسية، تدخلت ولاية أمن مراكش لتوفير المتابعة الطبية والنفسية له، في إطار الرعاية الاجتماعية التي توليها المديرية لموظفيها. إجراء إداري وطبي روتيني، حوّله عقل جيراندو المريض إلى مؤامرة يقودها رأس الهرم الأمني. هنا يظهر ما يسميه علم النفس “بارانويا العظمة”: أن يظن شخص أنه يكشف مؤامرات كبرى، بينما هو في الحقيقة ينسج أوهاماً من لا شيء. جيراندو لا ينتقد سياسة، بل يخترع حكاية، ثم يصدقها. المتتبع لهذه الظاهرة يكتشف أنها لم تعد حكراً على عقل مضطرب واحد، بل أصبحت حالة جماعية تجمع أطرافاً متنوعة يجمعها قاسم مشترك واحد: العداء للمغرب.

 

فهناك الصحفي الإسباني عبد الحق إغناسيو سمبريرو، الذي جعل من قضية الصحراء ومن الاستهداف الشخصي لحموشي مهنة يومية. وهناك علي لمرابط، الذي ينتقل بين العواصم الأوروبية محمّلاً بأحقاد لا تنتهي. وهناك الصحافة الصفراء في فرنسا وإسبانيا، التي تبحث عن كل شبر في الجسد المغربي لتغرس فيه سكينها. وهناك منظمات الوصاية الحقوقية مثل أمنستي، التي تُدرك جيداً أن استقرار المغرب يزعجها، فتحوّل تقاريرها إلى أدوات في حرب هجينة. وهناك الاستشراق الجديد، بوجوهه المتجددة، الذي يرى في المغرب القوي تهديداً لصورته النمطية عن “الشرق المتخلف”. كل هؤلاء، بطريقتهم الخاصة، يعانون من ذات المتلازمة. يستيقظون صباحاً، ويفتحون هواتفهم، ويبحثون عن أي خيط يربط حموشي بحدث ما. وإن لم يجدوا، يختلقونه.

 

السؤال المشروع: لماذا أصبح عبد اللطيف حموشي بالذات محور هذا الهوس؟ الجواب في علم الاجتماع السياسي واضح: لأنه مركز الثقل الأمني. والمؤسسة الأمنية هي العمود الفقري لأي استقرار دولة. فمن يريد إسقاط دولة، يبدأ بزعزعة ثقة الناس في مؤسساتها. ومن يريد ضرب مؤسسة أمنية، يبدأ باستهداف رأسها. هذا ما يُعرف بـ”الحروب الهجينة”: لا تُحارَب الدولة بالجيش، بل بالشائعة. لا تُقوَّض بالدبابات، بل بتقويض الثقة الداخلية. والهدف النهائي ليس حموشي، بل تحويل المغرب إلى دولة هشة قابلة للابتزاز. المصابون بالمتلازمة يظنون أنهم يهاجمون شخصاً، لكنهم في الحقيقة يهاجمون الدولة كلها، ومسارها التنموي والدبلوماسي الذي أصبح يزعج فضاءات كاملة في المنظومة الدولية. في مقابل هذا الاستهداف الممنهج، تقف الحقائق الدامغة كجدار صد منيع.

 

فالميدان يشهد نجاحات متوالية في تفكيك الخلايا الإرهابية، وصد التهديدات العابرة للحدود، وتأمين احترافي لأكبر الملتقيات السياسية والرياضية والاقتصادية. والاعتراف الدولي يتجلى في توشيحات واعترافات من الولايات المتحدة، وفرنسا، وإسبانيا، ودول عربية، ومنظمات شرطية عالمية. هذه ليست مجاملات دبلوماسية، بل شهادات على إسهام حقيقي في الأمن الدولي. والريادة الأمنية جعلت من المغرب شريكاً موثوقاً لا غنى عنه في الحفاظ على الأمن الإقليمي والعالمي. هذه الحقائق تفنّد، من الأساس، كل مقومات “المتلازمة”، وتترك أصحابها يغردون خارج سرب الواقع.

 

ما يجمع جيراندو، وسمبريرو، ولمرابط، وأمنستي، والصحافة الصفراء، هو شيء أعمق من مجرد الخلاف السياسي. إنه عقدة نفسية تجاه مؤسسة أمنية مغربية اختارت العمل بصمت، وتركت نجاحاتها تتحدث نيابة عنها وعن مديرها العام. هذه العقدة، في التحليل النفسي، تُسمى “عقدة النقص المكبوتة”: حين يعجز الفرد عن مواجهة إنجازات الآخر، يلجأ إلى تشويهها. وحين تعجز منظمة عن مواجهة استقرار دولة، تلجأ إلى استهداف رموز هذا الاستقرار. لكن في النهاية، يبقى سؤال واحد مطروحاً على كل مصاب بهذه المتلازمة: ماذا بعد حموشي؟ الجواب: لا شيء. لأن المؤسسة أقوى من الأفراد، ولأن المغرب ليس رهينة اسم واحد. والمصابون بالمتلازمة، في النهاية، لن يجدوا في مرآتهم سوى وجوههم المنهكة، يبحثون عن عدو لا وجود له، بينما الوطن يمضي إلى الأمام.

error: Content is protected !!