زيارة استفزازية إلى سبتة المحتلة: أباسكال وبارديلا يتحالفان ضد المغرب ويسوّقان أوهام “الاجتياح”
لم تكن زيارة سانتياغو أباسكال، زعيم حزب “فوكس” الإسباني المتطرف، إلى مدينة سبتة المحتلة يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، مجرد فعالية سياسية عادية. بل كانت استفزازاً مكشوفاً ورسالة عدائية موجهة ضد المغرب، اختار لها توقيتاً متزامناً مع العيد الوطني الإسباني لتضخيم أثرها الإعلامي. والأخطر من ذلك، أنه اصطحب معه جوردان بارديلا، زعيم حزب التجمع الوطني الفرنسي، في محاولة لتحويل المدينة المغربية المحتلة إلى منصة لتحالف أوروبي متطرف يستهدف المغرب وثوابته الوطنية.
المتابع لتصريحات أباسكال لا يمكنه إلا أن يلاحظ الإصرار المريب على وصف ما شهدته المدينة خلال أزمة الهجرة في يوليو الماضي بأنه “اجتياح”، مع توجيه اتهامات مباشرة للمغرب ب”رعاية” الأحداث، وتحميل الحكومة الإسبانية مسؤولية “التقصير”. هذه الاتهامات، في غياب أي دليل مستقل يثبتها، ليست سوى ادعاءات انتخابية رخيصة يروجها حزب معروف بخطابه العنصري والعدائي تجاه المغاربة والمهاجرين عموماً. فالتوصيفات التي يختارها الفاعلون السياسيون ليست كلمات عابرة، بل أسلحة لتشكيل الرأي العام وصناعة المخاوف وتوسيع دائرة الاتهام ضد المغرب تحديداً.
لم يكتف أباسكال بانتقاد تدبير الحكومة الإسبانية للحدود، بل ذهب إلى المطالبة بعسكرة الحدود وتعزيزها بالموارد البشرية والمادية، ودافع عن ترحيل المهاجرين غير النظاميين وعن سياسة أطلق عليها “إعادة الهجرة”. وبهذا، تحولت سبتة المحتلة إلى منصة لعرض تصور سياسي متطرف في مجال الهجرة، يضع تشديد المراقبة والترحيل في مقدمة الحلول، متجاهلاً التعقيدات الإنسانية والقانونية لهذا الملف. فحماية الحدود، باعتبارها مسؤولية سيادية للدول، تظل خاضعة للقانون وللالتزامات الدولية، ولا يمكن اختزالها في شعارات انتخابية جوفاء.
يكتسب حضور بارديلا إلى جانب أباسكال دلالة أوروبية خطيرة. فقد حرص زعيم “فوكس” على تقديم هذه المشاركة باعتبارها رسالة تعاون بين القوى السياسية المتحالفة داخل مجموعة “الوطنيون” في البرلمان الأوروبي، دفاعاً عن سيادة الدول وتشديد مراقبة حدودها. وهو ما يجعل من سبتة المحتلة، في هذه المناسبة، فضاءً لتسويق تقارب سياسي متطرف يتجاوز إسبانيا وفرنسا، ويستثمر ملفات الهجرة والأمن والهوية في بناء خطاب مشترك معادٍ للمغرب ولمصالحه.
في هذا الإطار، اتهم الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني بسبتة حزبي “فوكس” والشعب باستعمال أزمة الهجرة أداةً للصراع السياسي، داعياً إلى توسيع النقاش ليشمل أوضاع الأحياء والخدمات الاجتماعية والاقتصاد المحلي وتدبير ملف القاصرين. ومهما اختلفت التقديرات بشأن هذا الموقف، فإنه يكشف عن وجود سجال داخلي حول حدود التوظيف الحزبي للأزمات، وحول مدى قدرة الخطاب السياسي على تقديم أجوبة تتجاوز المواجهة الكلامية.
أما من المنظور المغربي، فإن سبتة المحتلة تظل قضية مرتبطة بالوحدة الترابية للمملكة وبالذاكرة التاريخية والجغرافية للعلاقات بين المغرب وإسبانيا. ولا يمكن أن تتحول هذه القضية إلى مجرد مادة ظرفية في الخطاب الانتخابي الإسباني، أو أن تُختزل في نقاش حول تدبير الهجرة، مهما كانت أهمية هذا الملف. إن الموقف الوطني المغربي من استكمال وحدته الترابية يستمد مرجعيته من ثوابت المملكة وحقوقها التاريخية، ولا ينبغي أن يكون رهيناً بتبدل موازين القوى الحزبية في مدريد، أو بتصريحات زعماء متطرفين يبحثون عن تعزيز حضورهم في المشهد السياسي.
إن ما جرى في سبتة المحتلة يوم 12 أكتوبر يقدم دليلاً إضافياً على كيفية توظيف المدن الحدودية داخل الصراعات السياسية، وعلى الطريقة التي يمكن بها لقضايا السيادة والهجرة أن تتحول من ملفات تتطلب المعالجة المؤسساتية إلى أدوات للتعبئة الانتخابية. وهو ما يفرض على الإعلام مسؤولية مضاعفة في نقل التصريحات بدقة، ووضعها في سياقها، وعدم الخلط بين الادعاءات السياسية والوقائع المثبتة. فسبتة المحتلة أكبر من أن تكون مجرد خلفية لخطاب انتخابي، وملف الوحدة الترابية أعمق من أن يُختزل في تصريحات عابرة، والعلاقات بين المغرب وإسبانيا أوسع من أن تتحكم فيها حسابات موسم انتخابي. وبين ثبات المواقف الوطنية وتحولات المشهد السياسي الإسباني، تظل القراءة الرصينة للأحداث، واليقظة تجاه الخطابات الموجهة إلى المغرب، والتمسك بالحوار المسؤول، عناصر أساسية لفهم ما يجري واستشراف ما قد تحمله المرحلة المقبلة.