علي المرابط: الصوت الأعلى في غرفة الصم..مأساة مبتز لا يسمعه أحد
في بلاد الشمال، حيث تلتقي جبال الريف بزخات المطر الأطلسي، خرج رجلٌ من بين الناس ليصنع لنفسه اسماً لا يذكره أحد إلا مبتسماً، لا لأنه بطل، بل لأنه تحول إلى “عبرة” حية. ذلك الرجل هو علي المرابط، الذي عاش في بداية أمره مكرماً معززاً، قبل أن تلدغه ذبابة صغيرة في رأسه، فوسوست له بأن الطريق إلى الخلود لا يمر عبر الإنجازات، بل عبر الابتزاز والتشهير والكذب.
منذ ذلك اليوم، ركب المرابط أمواجاً عاتية لم يتعلم كيف يسبح فيها، فكان جزاؤه طبيعياً، غرق متكرر في مستنقعات السجون، وقضايا التشهير، وسخرية من حوله. لكن الغريب في الأمر، أن هذا الرغم لم يثنه، بل زاده إصراراً على أن يكون “المبتز الذي لا يُرد له نباح”.
الابتزاز في جوهره ليس جريمة مال فقط، بل هو “بحث عن القوة” عبر طرق ملتوية. لكن علي المرابط ارتكب خطأً فادحاً حين ظن أن القوة تكمن في كثرة الكذب، وليس في امتلاك الحقيقة. فكان كمن يبني قصوره على رمال السراب، يكتب، يفضح، يهدد، دون أن يحمل دليلاً واحداً على ما يقول.
هذا الوهم قاده إلى طريق مسدود، لم يخدع به أحداً إلا من كان مثله تافهاً، بينما الشرفاء الذين حاول استدراجهم إلى شباكه ردوا عليه بشكايات رسمية، فتحول حلمه بالسيطرة إلى كابوس متكرر من المتابعات القضائية والسجون التي دوّنت اسمه كأحد “رواد التشهير بالأجر” في تاريخ المغرب الحديث.
لم يكتف المرابط بدور المبتز الفردي، بل تطور ليعرف في أروقة العالم السفلي بلقب أكثر إثارة: “كتاتبي البزنازة”. هنا تحولت السخرية إلى تراجيديا، حيث جعل من قلمه سلاحاً يبيعه لأعتى بارونات المخدرات في الشمال، ليكتب لهم تصفية حسابات، أو يمالئ المسؤولين عبر كلمات مسمومة، كل ذلك مقابل عمولات تئن في جيوبه كالجرذان الجائعة.
أما قضية تطوان سنة 2003، فكانت الفصل الأكثر هزلية. فقد تورط المرابط مع أسماء لامعة في تهريب المخدرات، فكشفته العدالة كطفل يلعب بالنار في مستودع بارود. لكنه، وبدلاً من أن يتعلم الدرس، ظل مقتنعاً بأن المشكلة ليست في أخلاقه، بل في “سوء فهم” الآخرين لـ”نبوغه الابتزازي”.
ربما كان المشهد الأكثر تعبيراً عن شخصية المرابط هو هجرته إلى إسبانيا، حيث عاش وحيداً مع كلبه، بعيداً عن الأضواء التي طالما حلم بها. هنا، تحول الابتزاز من مهنة إلى “هوس وجودي”. فالرجل لم يعد يبتز طمعاً في المال فقط، بل بحثاً عن أي رد فعل يثبت له أنه ما زال موجوداً في الذاكرة الجماعية.
لكن المفارقة أن نباحه المتواصل لم يعد يسمعه أحد. وكما قيل قديماً: “الكلاب تنبح والقافلة تسير” لكن القافلة هنا سارت بعيداً، والكلب ظل ينبح وحيداً في ساحة مهجورة. وهذا الصمت، كان أشد عقاب من أي سجن، لأن المبتز الحقيقي يموت حين لا يخاف منه أحد.
هنا يأتي دور الشخصية الأخرى في هذه المسرحية السوداء هشام جيراندو، الذي وجد في علي المرابط “مصدراً” وهمياً للفضائح، كان يتلقف تلك السموم بلهفة، ليقوم بدوره بنشرها في إطار خدمة أجندات معادية للدولة المغربية.
المرابط ينتج السم، وجيراندو ينشره. لكن السخرية أن كليهما يظن أنه المستفيد، بينما هما في الحقيقة ضحية واحدة لوهم السيطرة. المرابط يحتاج إلى “بوق” يضخم نباحه، وجيراندو يحتاج إلى “مادة” يروج بها لعدائه للمغرب. ومع أن المادة التي يمد بها المرابط جيراندو كلها كذب مفضوح، إلا أن جيراندو، بدوره، يصدقها ويتلقفها بلهفة من يبحث عن أي شيء يشوه به وطنه.
وهكذا، لم يعد المرابط مجرد مبتز، بل أصبح “منتج سموم” يتاجر بالكذب مع عملاء معادين للدولة. وهو تحول خطير، جعله يخرج من دائرة الابتزاز الصغير إلى دائرة الخيانة الكبرى، دون أن يدرك أنه مجرد أداة في لعبة لا يعرف نهايتها.
لم يقف المرابط عند جيراندو، بل تجرأ وتواصل مع مهدي الحيجاوي، ذلك الشخص المطرود من وطنه بسبب تجاوزات مهنية فاضحة، والذي هاجر إلى الخارج ليخدم الأجندات المعادية للمغرب. هنا تتحول القصة من هزلية فردية إلى مأساة جماعية، حيث يلتقي المبتز (المرابط) مع العميل (جيراندو) مع المطرود (الحيجاوي) في بوتقة واحدة من الخيانة والكذب.
لكن المفارقة الأكبر أن الحيجاوي نفسه، رغم طرده وتجاوزاته، كان يوماً ما جزءاً من المؤسسات التي يحاربها الآن. فهو نموذج للـ”خائن المقهور”، الذي يحول إخفاقاته الشخصية إلى عداء للوطن. وعندما التقى بالمرابط، وجد فيه ضالته: رجلاً ينتج الأكاذيب، وآخر (جيراندو) ينشرها، وكلهم يخدمون هدفاً واحداً هو النيل من المغرب.
وفي النهاية، ماذا ربح هؤلاء الثلاثة؟ المرابط ربح المزيد من السقوط الأخلاقي، وجيراندو ربح المزيد من التورط في العداء للوطن، والحيجاوي ربح لقب “المطرود الذي لم يتعلم الدرس”. أما المغرب، فسيظل شامخاً، لأن أمثال هؤلاء لا يزيدونه إلا قوة وصلابة.
فيا أيها القارئ، إذا مررت بقصة علي المرابط، فتذكر أنها ليست مجرد حكاية رجل فاشل، بل هي تحذير لكل من يظن أن الكذب يمكن أن يكون رأس مال، وأن التشهير يمكن أن يكون سلاحاً، وأن الابتزاز يمكن أن يكون مهنة، وأن خدمة الأجندات المعادية يمكن أن تكون ملاذاً.
المرابط دفع الثمن غالياً: سجوناً، قضايا، هجرة قسرية، وحدة، صمتاً، وأخيراً أن أصبح منتج سموم لهشام جيراندو، ثم متعاوناً مع مهدي الحيجاوي المطرود. إنه نموذج للـ”مبتز البائس” الذي تحول إلى “خائن صغير” في لعبة كبار لا يعرف قواعدها.
أما جيراندو والحيجاوي، فسيظلان يبحثان عن كلاب جديدة تنبح باسمهما، حتى يأتي يوم ينقلب فيه النباح على الجميع. والمغرب، بعزته وكرامته، سيظل يحرس حدوده من هؤلاء ومن أمثالهم، لأن الله لا يهدي كيد الخائنين.