“هشام جيراندو.. أفيش جديد لمسلسل ‘الأقنعة الساقطة'”
عندما تقرر قناتك أن تسير في طريق الإزدراء وتتخذ لنفسها جسرًا من السب والقذف إلى قلوب الواهمين، فلا بدّ أن تأتيك النهاية، نهاية حتمية وسريعة، على شكل طلب من المنصة الإلكترونية تحمل فيه أغراضك الافتراضية الصغيرة بعد إغلاق محتواك. هذه وبكل بساطة هي قصة مسلسل هشام جيراندو الذي راح ضحية وهمه الكبير بأن العالم يمكن تغييره بالشتيمة وبعض الفيديوهات المرتجلة المنطلقة من سيارته في ضواحي مونتريال الباردة. فقناة “تحدي” على يوتيوب وصفحة تحدي أنفو على فيسبوك لم تكن يوماً منصات لنشر الحقيقة، بل كانت مجرد بازارات لحطام العقول، حيث يبيع جيراندو أوهامه بأسعار خيالية لمن لا يملكون أدنى حس نقدي. لقد ظل يمارس هوايته في السب والقدف والتشهير دون أي رادع أخلاقي أو قانوني، متناسيًا أن القانون ليس شبحًا يخيف البسطاء، بل هو سيف مسلط على رقاب المخالفين، سواء كانوا في الدار البيضاء أو في شوارع كندا وتحت حماية الإقامة الكندية.
تدّعي قناة “تحدي” أنها تجسيد للجرأة والإصلاح، والحقيقة أنها مسلسل تلفزيوني قصير لشخصيات مأزومة، كل حلقة فيه تمثل فصلًا جديدًا من الخيال الجامح والاتهامات المنسوجة في خزانة ضيقة العقل. لقد تجاوز جيراندو كل الخطوط الحمراء عندما استهدف شخصيات وطنية محترمة، ووزراء في الحكومة، ومسؤولين أمنيين كبار، ووصل إلى العائلة الملكية، كل هذا دون أن يتوقف لثانية واحدة ليسأل نفسه: هل من المعقول أن أتمادى في كلامي وأدوس على كل القيم لدرجة أنني أتجرأ على من وضعوا أسس هذا البلد؟ الأدلة التي كان يقدمها جيراندو في فيديوهاته كانت عارية ليس فقط من المهنية، بل من أبسط درجات الذكاء، عبارة عن معلومات مغلوطة، وأكاذيب ملفقة، وادعاءات تفوح منها رائحة التعاسة الشخصية والحقد الدفين على كل ما هو ناجح ومستقر.
عندما صدرت الإدانات القضائية تباعًا، بدأ المهرج يخلع ثيابه الوهمية ويظهر على حقيقته. فالمحكمة العليا في كيبيك أدانته وألزمته بدفع 164,514 دولارًا كنديًا للمحامي عادل سعيد لمتيري بتهمة التشهير، وأمرته بإزالة كل منشوراته المسيئة. وبعدها بأيام فقط، أرسلته نفس المحكمة الكندية إلى غرفة العقاب بـ30 يومًا سجنًا، و150 ساعة عمل مجتمعي، وغرامة 10,000 دولار. وفي المحاكم المغربية، صدر حكم غيابي ضده بالسجن 15 عامًا بتهم تكوين عصابة إرهابية. لكن بدلًا من أن يختفي في زاوية مظلمة ليبلع لسانه، خرج جيراندو يتباكى ويبكي بحرقة كما لو أن العالم انهار عليه ظلمًا. هذا البكاء ليس دليلًا على براءته، بل هو دليل صارخ على هشاشته، فهو الذي ظن نفسه قويًا بما يكفي للنيل من الدولة المغربية ومؤسساتها القضائية والأمنية، فإذا به يُسقط في أول اختبار حقيقي.
لكن الأدهى والأمرّ ليس في الأحكام فقط، بل في الفضائح التي عصفت بجيراندو وكشفت حقيقة من كان يدّعي الدفاع عن الحقوق. فقد كشفت تقارير صحفية محاولاته ابتزاز تجار المخدرات وأفراد عائلاتهم تحت طائلة التبليغ عنهم، كما سُربت تسجيلات صوتية تظهره وهو يتفاوض على حذف فيديوهات مسيئة مقابل مبالغ مالية، وأدار شبكة ابتزاز وتشهير متكاملة عبر مقاطع الفيديو مستهدفًا مواطنين أبرياء. كما خرجت النيابة العامة بالدار البيضاء لتصف فيديوهاته الأخيرة حول وفاة هشام المندري بأنها “لا تمت للحقيقة بصلة”، وتعتبرها مجرد فبركات رخيصة. والأدهى من ذلك أنه وصل به الأمر إلى الدعوة إلى العنف والقتل واستخدام السلاح ضد مسؤولين مغربيين، في لقطات فيديو صارخة يظهر فيها بأبهى صور الحماقة الإجرامية.
لو كان جيراندو يملك أي حس وطني أو أي مستوى من التهذيب، لكان فهم أن المصداقية لا تأتي بقذف الناس وتشويه سمعتهم، بل تأتي بالدليل والاحترام والمهنية. لكن جيراندو، كما يبدو، اختار الطريق السهل: الشهرة السريعة على حساب المصداقية، وحصد اليوم ما زرعته يداه. سبقَ له أن أصدرت المحكمة الكندية أوامر قضائية بحذف فيديوهاته المسيئة في يناير 2024، لكنه لم يمتثل، بل عاد لاحقًا إلى نشر فيديوهات جديدة وهو تحت طائلة المحاكمة. هذا النوع من التمادي والتحدي السخيف ليس دليل قوة، بل هو انتحار بطيء أمام كاميرات اليوتيوب.