“الهضراوي إديشن” يستضيف مول الجيب لعرض آخر مسرحية له

لا يزال “أستاذ” البلطجة الإعلامية، الهضراوي، يواصل مسلسله المعهود في إنتاج حلقات لا تخلو من السم والتهجم على مؤسسات الدولة، متخذًا من “نقل الخبر” و”تنوير الرأي العام” غطاءً رخيصًا لتمرير الأكاذيب والسرديات المسمومة. لكن العكس هو الصحيح، فهو يستضيف أشخاصًا لترويج خطابات عدائية على مؤسسات ومسؤولي هذا الوطن، بدافع لا نعلمه نحن، لكنهم يعلمونه جيدًا، ويعلمون من يقف وراء ذلك، وكيف ينظمون الهجمات ويوقتونها بدقة في سعيهم لتشويه الصورة والضغط على الدولة. غير أن المؤسسات المستهدفة ورجالها لا يكترثون لهذه المهازل، لأنهم يعلمون أن من يملك الحقيقة لا يحتاج إلى كذبة، ومن يملك الشرعية لا يلتفت إلى مهرجين يبيعون الوهم.

 

لقد تحول الهضراوي من مجرد مذيع إلى شركة إنتاج متكاملة، يمكننا أن نطلق عليها “الهضراوي إديشن”، متخصصة في صناعة الكذب وتسويق السرديات، وإنتاج “نجوم” مؤقتين من هواة الادعاء والتمثيل. وفي واحدة من أضحك حلقاته، استضاف “مول الجيب”، وهو متابع في قضايا تبييض الأموال ومتورط في هذا الفعل الخطير، فجاء ليروي قصصًا خيالية ويمرر خطابات عدائية، متناسيًا أن مرض “اضطهاد الذات” له عيادات نفسية، وأن الأجهزة المعنية لا تستهدف أبرياء، بل تطارد مذنبين حقيقيين.

يروي “مول الجيب” في حلقة الهضراوي أنه تعرض للعنف والضرب والركل من طرف عناصر الأمن، لأنه منع من دخول معرض الكتاب في مدينة “الأنوار”، بعد أن حاول الدخول من أبواب الخروج. عند باب المعرض، قام بالاحتجاج وصوّره أصدقاؤه، وادعى أنه تعرض لاعتداء عنيف. لكن السؤال الذي يضحك الحجر قبل الإنسان: لماذا لم يخلع ملابسه في تلك اللحظة؟ لو كان هناك ضرب حقيقي، لكان الأثر ظاهرًا، وكان “مول الجيب” سينزع قميصه فورًا أمام الحشد والكاميرات ليثبت للجميع أنه ضحية. لكنه لم يفعل. اكتفى بالصياح والتمثيل الرديء على مسرح باب المعرض، ثم انصرف دون أن يُظهر أثرًا واحدًا.

بعد مرور أيام، يدخل “مول الجيب” استوديو الهضراوي، وهناك ببرود أعصاب يليق بممثل هاوٍ  يخلع ملابسه فجأة ويكشف عن “آثار” يزعم أنها ناتجة عن الاعتداء! السؤال الذي لا مفر منه: لماذا الآن؟ لماذا بعد أيام؟ لماذا لم تفعلها عند باب المعرض؟ هل كنت مشغولاً بـ”تحضير” الأثر في المنزل؟ أم أنك ذهبت إلى مختص في “المكياج التجميلي للإصابات” ليصنع لك كدمات وهمية تظهر بعد أسبوع؟

الطب الشرعي يعرف متى يتكون الأثر. الكدمة الحقيقية تتغير ألوانها وتتطور، أما الأثر المصطنع فيفضحه توقيت عرضه. لو كنت تعرضت للضرب والركل أمام المعرض حقًا، لعرضت جسدك هناك، أو توجهت إلى مستشفى، أو قدمت شكوى رسمية مع تقرير طبي. لكنك فضلت الانتظار حتى تأتي إلى كاميرات “أستاذك” الهضراوي لتقدم “الأثر المؤجل”. والأدهى أن الهضراوي استقبلك بحفاوة المخرج الذي وجد أخيرًا ممثلًا يصدق أي سيناريو مهما كان سخيفًا، ويخلع ملابسه بدون خجل على الهواء مباشرة.

من زاوية علم الاجتماع النفسي، فإن سلوك “مول الجيب” يكشف عن ظاهرة معروفة باسم “هوية الضحية المتوهمة، حيث يعيد الفرد تفسير أي إجراء نظامي (كالمنع من الدخول) على أنه اضطهاد شخصي، ثم يبني حوله سردية درامية تتضخم مع الوقت. والأكثر إثارة للاهتمام هو “التأجيل الاستعراضي للأدلة”، وهو سلوك يرتبط بالحاجة إلى “جمهور متعاطف” يصدق الرواية دون تدقيق. إذ أن تأخير إظهار “الأثر” ليس مجرد خطأ في التوقيت، بل هو أداة نفسية تهدف إلى خلق فجوة زمنية تسمح بتحويل الصدمة المزعومة إلى “ذكرى مصنّعة” تترسخ في ذهن المشاهد العاطفي.

 

هنا يلعب الهضراوي دور “المُصدِّق المهني” الذي يمنح شرعية وهمية لهذا الهوس الاضطهادي، ليُنتج في النهاية حلقة متكاملة من “جنون العظمة المشترك” بين مذيع يبحث عن الإثارة وضيف يبحث عن دور البطولة في مسرحية الضحية. والمؤسف أن الجمهور الذي يتابع هذه العروض يصبح طرفًا ثالثًا في لعبة نفسية خطيرة، حيث تُختزل قضايا حقيقية في عقد فردية مرضية تُعرض على الهواء كأنها حقائق ثابتة. وهذا هو أخطر ما تنتجه “الهضراوي إديشن”: تحويل الوهم إلى واقع موازٍ، وتغذية أوهام الاضطهاد لدى أشخاص قد يكونون بحاجة إلى علاج نفسي لا إلى كاميرات تبث خيالاتهم.

error: Content is protected !!