هشام جيراندو… من “منصة القذارة” إلى صحن الكاشير، رحلة المرتزق التي انتهت بالبهلوان

“فإن لم تستحي فاصنع ما شئت” هذا المأثور الأخلاقي، الذي يضرب به المثل في الدعوة إلى الحياء كضابط للسلوك، وجد في “هشام جيراندو” نموذجاً فريداً للتطبيق المعكوس. فهو رجل بلغ من التجرؤ والوقاحة أن جعل من انعدام الحياء صنعة، ومن الكذب والإبتزاز منهاجاً، قبل أن ينتهي به المطاف أضحوكة يتناقلها المغاربة، وبوقاً يبحث في “كارتون” أبطال روايات طنجة عن أخبار خطيرة!

لم يكن جيراندو يوماً ناشطاً مدنياً، ولا مهتماً بالشأن السياسي يستقي معلوماته من مصادر موثوقة، بل كان أداة رخيصة في لعبة قذرة، استُخدم ثم أُهمل كمنديل ورقي، كما وصفته إحدى التحليلات . لقد تحول هذا الرجل، الذي كان يروج لنفسه كبطل خارق يكشف الفساد، إلى مجرد “مخزون مو” يُمارس النشل الإعلامي باسم النضال، قبل أن تنكشف حقيقته كمرتزق يتقاضى أموالاً مقابل تشويه سمعة المسؤولين ونشر الأكاذيب .

وبينما كان يحلم بأن يكون صوتاً مؤثراً في المشهد المغربي، تحول حلمه إلى كابوس على منصة “تيك توك” حيث يعمل اليوم نادلاً يجمع الصحون، بعدما كان يتوهم أنه يجمع ملفات “الأسرار الكبرى” . إنه السقوط المدوي الذي يليق بمن خان وطنه ورهن ضميره، تماماً كما يشير التقرير الذي وصفه بأنه “من أبواق المخابرات الجزائرية” التي وظفته في حربها الباردة ضد المغرب .

لو كان جيراندو يملك ذرة من الحياء لاختفى عن الأنظار بعد الفضيحة تلو الأخرى، لكنه أصر على أن يكون “بهلواناً” يركب كل موجة. فالقضاء الكندي، الذي لا يتهاون مع مفترين أمثاله، أدانه بتهمة التشهير وألزمه بدفع تعويضات تجاوزت 164 ألف دولار كندي لمحامٍ مغربي شوه سمعته . ولم تتوقف إدانته عند هذا الحد، بل تورط في قضايا عدة، بعضها يتعلق بالابتزاز، حيث كشفت تسريبات “أطلس هاكز” عن مكالماته مع أحد المنتحلين، ما أثبت أنه مجرد مرتزق يعمل بأجر، كما أشارت المصادر .

لكن المفارقة الأكثر تهكماً وسخرية هي تلك التي كشف عنها مؤخراً، عندما وقع جيراندو في فخ مقلب محكم. فشاب من طنجة تواصل معه وأخبره عن عملية تهريب مخدرات كبرى يقودها شخصان بأسماء “عمي علي” و”هالوبو”، فانطلق جيراندو كعادته دون تمحيص لينشر الخبر على منصاته. لكن المفاجأة التي أطلقت العنان لموجة من السخرية هي أن هذين الاسمين ليسا سوى شخصيتين خياليتين من إبداع الروائي الطنجاوي عبد الواحد استيتو، تعبيراً عن العادات والتقاليد المحلية في أدب ساخر! فإذا بجيراندو يحول شخصيات “الكارتون” إلى تجار مخدرات، ليكون بذلك قد كتب فصلاً جديداً في تاريخ الأخبار المزيفة، حيث سقط ضحية معلومات من نسج الخيال .

إن ما قام به جيراندو لم يعد مجرد تشهير عابر، بل تحول إلى نمط إجرامي متكامل. هو اليوم ليس فقط مداناً في كندا، بل هو فار من وجه العدالة في المغرب، حيث تتابعه هيئة القضاء بمجموعة من الملفات، بينها التورط في تكوين عصابة إجرامية والابتزاز، بعدما اعترف علناً في فيديو بأن أفراد عصابته دخلوا التراب الوطني، متحدياً بذلك الأمن الوطني . ولم تقتصر جرائمه على التشهير بالمسؤولين الأمنيين والقضائيين، بل امتدت إلى ابتزاز شركات وطنية وأجنبية من خلال اتهامات ممنهجة تهدف إلى تعكير مناخ الأعمال .

هنا يبرز الرد الحازم الذي لا يعرف التردد، وهو الرد الذي عبر عنه المسؤولون والقضاء والمجتمع المدني، والذي يتلخص في أن المغاربة لا يلتفتون إلى “جردان” مثل جيراندو، مهما رفعوا أصواتهم. فالمغرب بمسؤوليه وشرفائه يعملون بصمت ويتقدمون بثبات، ولا يكترثون بأبواق أعدائه الذين يحاولون النيل من مؤسساته الوطيدة. وكما أكدت إحدى التقارير، فإن المغرب يواجه هؤلاء بقوة القانون، وبمحكمة لا تهادن، وبوعي شعبي بات يدرك أن أخطر أعداء الوطن ليسوا من يخالفون القانون، بل من يختبئون وراء قناع حرية التعبير وهم أضحوكة العصر .

في الختام، يبقى هشام جيراندو نموذجاً حياً لتلك المقولة التي تترجم واقع حاله: “فإن لم تستحي فاصنع ما شئت”، لكنه صنع فضيحته التي شهد عليها القضاء، وضحك عليها المغاربة، بعد أن كان يظن أنه صانع الأحداث، فإذا به مجرد أداة في لعبة خسرها قبل أن تبدأ. لقد تحول “تحدي” جيراندو في تشويه المغرب إلى تحدي للعقل والمنطق، وانتهى به الأمر صحفياً “للشخصيات الكرتونية” ونادلاً في المطاعم، درساً لكل من تسول له نفسه أن يبيع وطنه مقابل لقمة العيش.

error: Content is protected !!