Forbidden Stories.. إعادة تسويق رواية قديمة بثوب تحقيق جديد

في زمن تتهاوى فيه الإمبراطوريات الإعلامية تحت وطأة حقائقها المضللة، يخرج علينا كونسورتيوم «Forbidden Stories» كفارس على جواد عرجاء، يلوح برمح صدئ اسمه “بيغاسوس”، وكأن الزمن توقف عند ربيع 2021 وكأن الذاكرة الجماعية خرست فجأة.

لكن المفارقة الأكثر إيلاماً في هذه المهزلة المتجددة هي أن هؤلاء السادة لم يكتفوا بتكريس أنفسهم كمؤرخين لأكذوبة فقدت بريقها، بل قرروا أن يسموا إعادة تسخين الحساء البارد بـ”تحقيق استقصائي”.

من المضحك حقاً، بل ومن المثير للشفقة، أن نرى رجالاً يحملون شعار الصحافة الاستقصائية وهم يتنفسون من رئة انهارت منذ أربع سنوات. يعترفون بكل جرأة غريبة بأن آخر أثر تقني يعود إلى نوفمبر 2021، ثم يجرؤون على وصف ما يقدمونه بالمستجدات. إنهم يمارسون ما يمكن تسميته بهندسة الفراغ، حيث تبنى العناوين الصاخبة كصروح وهمية، ثم يفكك كل شيء في المتن بهدوء يتناقض مع صخب البدايات. يقولون لا نعرف عدد الأهداف، لم نتحقق بشكل مستقل، لا يوجد تحليل تقني يثبت الاختراق، ثم يصرخون فضائح بيغاسوس. يا للعجب، إنها وصفة سحرية تأخذ شائعة قديمة وتضيف إليها كلمات مبهمة وتحركها جيداً مع بعض المصادر المجهولة لتخرج لك بحقيقة جديدة.

ولعل أطرف محطات هذه الرحلة الهزلية، ذلك الاجتهاد الإبداعي حين استعاروا لقطات من برنامج بنمي يعود لعام 2014 وحاولوا ربطها بالمغرب بمنطق لا يليق حتى بصانع الحريرة المبتدئ، وضعوا مكونات لا تمت لبعضها بصلة وسموا الخليط فضيحة مغربية. ولم يكتفوا بذلك، بل استندوا إلى كتيبات تجارية كأدلة جنائية واستجوبوا شهادات سماعية من الدرجة الثالثة، صديق لزميل لجار يروي ما سمعه من فلان الذي سمع من علان. هذا ليس تحقيقاً صحفياً، بل لعبة الهاتف في نسختها الإعلامية. ثم تأتي التحفة الفنية، رسم تقريبي لشعار الحصان المجنح من الذاكرة يقدم كدليل جنائي في ملف يفترض أنه تقني بامتياز، هل يعتقدون أن قراءهم يعيشون في كهوف حيث يقدس الرسم بالفحم؟

في مشهد يجمع بين الفكاهة السوداء والمأساة الصحفية، يرفض التقرير التعامل مع أخطر شهادة في الملف، تصريحات شاليف هوليو مؤسس شركة NSO أمام القضاء الفرنسي مطلع العام الجاري حين قال بكل وضوح لا يحتمل التأويل إنه يعلم أن المغرب رفض اقتناء البرنامج. كلمة واحدة كهذه كانت كفيلة بإسقاط السيناريو بأكمله، لكن الكونسورتيوم فضل التعامل معها كزائدة دودية في ذيل التقرير لأن القبول بها يعني الاعتراف بأن سنوات من الجهد الإعلامي كانت مجرد تدوير للعدم. إنهم يفسرون صمت المؤسسات المغربية على أنه اعتراف متناسين أن المغرب خاض معارك قضائية شرسة ضد هذه الافتراءات، وليس من الحكمة أن يرد على كل ناعق في كل مرة، فالحصانة لا تعني الضعف والصمت أحياناً يكون أدب المتقاضي لا خوف المذنب.

ما يفعله Forbidden Stories ليس صحافة، بل هو مشروع تجاري ذو واجهة نبيلة. إنهم يمتلكون بيغاسوس كعلامة مسجلة للاسترزاق الإعلامي يرفعونها كلما خفت بريقهم ويطلقونها في الفضاء كلما احتاجوا إلى تمويل جديد أو اهتمام متجدد. إنهم ليسوا في مواجهة المغرب، بل في مواجهة فراغ مالي وتقني وقضائي يحاولون ملءه بالضجيج، لكن الحقيقة كالشمس لا تحجب بغبار الشائعات ولا تموت بتكرار الأكاذيب.

في النهاية يبقى السؤال، كم مرة يمكنك أن تبيع العدم للرأي العام قبل أن يكتشفوا أنهم يشترون الهواء. المغرب الذي وقف شامخاً أمام عواصف الافتراء سيبقى صامداً، والصحافة الحقيقية ستسجل يوماً هذه الملحمة الهزلية كشاهد على زمن غابت فيه الأخلاق الإعلامية وحل محلها سباق العناوين الفارغة.

error: Content is protected !!