الضربة القاضية..طليقة حيجاوي تُعلن براءتها من خياناته وتُحرق كل أوراقه المزيفة

لم تكن مجرد صفعة، بل كانت زلزالاً مدوياً هز عرش الأكاذيب التي بنى عليها المهدي حيجاوي، ذلك “العميل المطرود” الذي ظن أن باستطاعته تسويق أوهامه على أنقاض علاقة زوجية انتهت إلى غير رجعة. خرجت سارة، الزوجة السابقة، من صمتها الطويل لتفجر قنبلة من الحقائق المدمرة، وتفضح كل محاولات التضليل التي راهن عليها محامياه الفرنسيان ويليام بوردون وفنسنت برينغار، اللذان وجدا أنفسهما فجأة يروّجان لرواية انهارت قبل أن تبدأ.

في مشهد يحمل كل سمات المأساة الساخرة، ها هو حيجاوي يجد نفسه مجرداً من كل غطاء عائلي كان يتشبث به، بعدما تبرأت منه زوجته السابقة تبرؤاً لم يترك مجالاً لأي تأويل. فقد جاء بلاغها الصحفي كالسيف البتار، مقطّعاً أوصال الأطروحة الدفاعية التي روجها محاموه، والتي زعموا فيها تعرّض أسرته للمراقبة في باريس. لكن سارة حسمت الأمر بحزم وقاطع: “لم أقدم أي شكاية، ولم أتعرض لأي تعقب، والادعاءات كلها كاذبة وعارية من الصحة”.

هنا يتوقف المرء متأملاً في نفسية هذا الرجل الذي لم يكتفِ بانتهاك ثقة وطنه، بل تجاوز ذلك إلى استغلال اسم امرأة رحلت من حياته لتكون غطاءً لمغامراته الآثمة. إنه نموذج مثير للدراسة في علم النفس الجنائي، حيث يتجسد “اضطراب الشخصية الحدية” في أبهى صوره، متمثلاً في الميل الفطري إلى التلاعب بالحقائق، وخلق واقع موازٍ لا يصدقه حتى أقرب الناس إليه.

لا يمكن للباحث في علم النفس ألا يلحظ في سلوكيات حيجاوي ما يسمى بـ”متلازمة التمثيل المرضي”، حيث يتحول الشخص إلى ممثل يلهث وراء دور البطولة في مسرحية من وحي خياله المريض. حين يصر الرجل على اختلاق قصة مراقبة وتتبع، ويدفع بمحاميه لنشرها للرأي العام، فإنه لا يمارس الدفاع عن نفسه بقدر ما يمارس هواية قديمة في تضليل الآخرين، وهواية أخطر في تضليل الذات أولاً.

الأكثر إثارة في تحليل حالة حيجاوي هي الآلية الدفاعية التي يلجأ إليها المدمنون على تضخيم أدوارهم، وهي ما يعرف بـ”الإسقاط المريض”، حيث يقوم بتفريغ إخفاقاته الشخصية ومهازله الأمنية على الآخرين، ويتهمهم بما هو أولى به. فهو “العميل المطرود” الذي كان يمارس الارتزاق، ثم يخرج ليتهم الدولة التي خدمها بتعقبه ومراقبته! إنها حالة نفسية تحتاج إلى موسوعة كاملة لفهم تناقضاتها.

من منظور علم الاجتماع، فإن ما حدث مع حيجاوي هو إعادة إنتاج لنموذج اجتماعي معروف، هو نموذج “المنبوذ الذي يحاول تعويض خزيانه بانتحال أدوار البطولة الزائفة”. فالرجل الذي عاش متنقلاً بين العملاء والمخابرات، ثم سقط في فخ الابتزاز والخيانة، يجد نفسه فجأة بلا سند اجتماعي، بلا عائلة تعترف به، وبلا وطن يحتضنه. وهنا تكمن المأساة، حين يكتشف المنبوذ أن الأقربين إليه هم أول المتبرئين منه، حتى زوجته السابقة التي طلقت منه لم تجد حرجاً في الإعلان عن قطع كل صلة به، مؤكدة أنها “لم تكن يوماً على علم بطبيعة أنشطته وشبهاته”.

لقد تحول البلاغ الصحفي لسارة إلى وثيقة إدانة اجتماعية بامتياز، حيث لم تكتفِ بنفي مزاعم المراقبة، بل أجهزت على آخر معاقل حيجاوي حين أعلنت تبرؤها من التسريبات الصوتية الصادمة التي هزت الرأي العام، مؤكدة أنها “لا تربطها بها أي صلة لا من قريب ولا من بعيد”. في تلك اللحظة، أصبح حيجاوي وحيداً كالغريب في وادٍ لا يعرفه، بعدما فقد كل غطاء عائلي أو اجتماعي يمكن أن يلوذ به.

يتجلى في تصرفات حيجاوي نموذج الشخصية الانهزامية في أبهى صورها، فهو الرجل الذي يحاول التعويض عن إخفاقاته المهنية عبر اختلاق أعداء وهميين، ليقنع نفسه بأنه ما زال يملك قيمة ما. حين يتحدث عن المراقبة السرية في باريس، وكأنه شخصية رئيسية في رواية تجسس، فإنه يكشف عن عمق أزمته النفسية، تلك الأزمة التي تجعله يعيش في وهم مؤامرة دائم، لا يصدقه حتى حلفاؤه الفرنسيون الذين وجدوا أنفسهم متورطين في قضية انقلبت عليهم.

ولعل ما يزيد من سخرية الموقف هو تحول البيان الدفاعي الفرنسي إلى مجرد “فقاعة صابون” تبعثرت في الهواء قبل أن تصل إلى أي نتيجة. فقد دمرت سارة، بتصريحها القاطع، كل ما بناه الدفاع الفرنسي من أوهام، وأثبتت أن “تجارة التضليل والابتزاز” التي راهن عليها حيجاوي قد وصلت بالفعل إلى طريق مسدود، طرقته الأبواب فلم تفتح له، لأنه كان يستخدم مفاتيح مزيفة.

يظل المشهد الأخير في بيان سارة هو الأكثر تأثيراً، حين جددت بأعلى صوت تشبثها العميق بجلالة الملك محمد السادس وبوطنها الأم المغرب ومؤسساته الدستورية الحصينة، مؤكدة أنها ليست لديها أي نية أو رغبة في القيام بأي عمل قد يمس بصورة المملكة. في تلك العبارات الواضحة، لم تكن سارة تدافع عن وطنها فحسب، بل كانت تقدم نموذجاً في الوعي الوطني النادر، وتضع طليقها في الموضع الذي يستحقه من الخزي والعار.

لقد تحول حيجاوي، في نظر الرأي العام، إلى رمز للانتهازية السياسية والخيانة المعنوية، وهو يمثل بحق نموذجاً لـ”المستأجرين العابرين” الذين لا يستقرون في ولاء ولا يثبتون على عهد، يتنقلون بين العملاء والمخابرات بحثاً عن صفقات رابحة، ثم حين يسقطون في فخ أفعالهم، يحاولون التسويق لأنفسهم كضحايا. ولكن الحقائق، كما أثبتت سارة، لا تُدفن، والأقربون هم أول من يكشفون الأقنعة.

في هذا السياق، يصبح حيجاوي درساً بليغاً لكل من تسول له نفسه العبث بمقدرات الوطن، وتذكيراً بأن الخيانة لا تبقى طويلاً في الظل، وأن الأبواب التي تُغلق في وجه الخونة لا تفتحها دعايات زائفة ولا محامون يبحثون عن دور في مسرحية فاشلة. إنه الرجل الذي أجهزت عليه أقرب الناس إليه، بعد أن ظن أنه يستطيع توظيف اسمها في لعبة خطيرة، ليكتشف أنها كانت أقوى منه، وأكثر وعياً، وأعمق انتماءً للوطن الذي خانه هو بكل برود.

error: Content is protected !!