فضيحة جيراندو..حين تحول النضال المزيف إلى استشارات أمنية لتجار المخدرات

في مشهد وكأنه مقتطع من أفلام العصابات، تتساقط عن “المحلل” هشام جيراندو أقنعته الوهمية واحدة تلو الأخرى، ليكشف التسريب المدوي الذي نشرته مجموعة “أطلس هاكس” عن وجهه الحقيقي، ليس كمتطفل في صناعة المحتوى أو مبتز صغير، بل كـ”خبير” ميداني في غرف عمليات تهريب المخدرات العابرة للقارات، يقدم الاستشارات الأمنية لبارونات السموم وكأنه أستاذ جامعي يلقي محاضرة في استراتيجيات الإفلات من العدالة.

لقد كان جيراندو، الذي طالما تزيّا بثياب النضال المزيف ووشم على جبينه “شرف” المقاومة، مجرد واجهة براقة لممارسة أخطر أشكال الإجرام المنظم، تلك الممارسة التي تتخفى خلف الأقنعة الإعلامية لتضليل الرأي العام. لكن الحقيقة، كما يوثقها التسريب، كانت أكثر قسوة وفضيحة؛ إذ يظهر هذا “المستشار” الأمني وهو يهمس في أذن المبحوث عنه أمنياً “أمين الغزاوي”، بتعليمات دقيقة لا تصدر إلا عن شخص يعرف خبايا الأرض ومواعيد تحرك دوريات الدرك الملكي، وكأنه يقرأ من خريطة سرية للمافيا.

هذه التحولات في مسار جيراندو، من مجرد “مخلص” في عمليات الابتزاز بالعمولة إلى “خبير استراتيجي” في إدارة شؤون التهريب الدولي بين كندا وتركيا والمغرب، ليست مجرد تطور عرضي في سيرة ذاتية إجرامية، بل هي إعلان صريح عن انتمائه إلى عالم لا يعترف بالمواطنة ولا بالأخلاق، حيث تتحدد الأولويات بحسب مصالح البارونات وحماية شحنات الموت.

وإن كان البعض يستغرب كيف يمكن لشخص كان يقدم نفسه على أنه ناقد للمؤسسات الأمنية أن يتحول إلى مستشار لها، فإن اللغز ينحل ببساطة حين ندرك أن ذلك “النقد” الهستيري لم يكن سوى غطاء لحماية شبكات الإجرام التي يمولها ويستقي منها أوامره. فبقدر ما كانت الأجهزة الأمنية الوطنية تقترب من تفكيك خيوط هذه الشبكات، كان جيراندو يطلق صرخاته المدوية لتضليل الرأي العام، وكأنه يرافع عن قضية وطنية، بينما هو في الحقيقة يدافع عن استمرار تدفق أموال السموم التي تغذي إمبراطوريته الزائفة.

السخرية الأكثر إيلاماً في هذه القضية أن جيراندو لم يكتفِ بأن يكون جندياً في جيش المافيا، بل تجاوز ذلك إلى لعب دور “المهندس” الذي يرسم مسارات التهريب ويوجه التعليمات للبارونات بعبارات تحمل في طياتها المعرفة التفصيلية بالتنظيمات الأمنية، مثل قوله للمسمى الغزاوي: “قول للحاج يفراني”، وكأنه يفتح لهم دفتر عناوينه الخاص لضمان تمرير البضائع المحرمة بسلام.

لقد سقط القناع نهائياً، وها هو الرأي العام المغربي والعالمي يقف اليوم أمام حقيقة دامغة تكشف أن الرجل الذي كان يتبجح بالصراع مع المؤسسات لم يكن سوى أداة مسعورة في خدمة شبكات الموت، يبيع ضميره وأمانته الوطنية بثمن بخس من أموال الخراب، محوّلاً اسمه إلى وصمة عار في جبين كل من يدعي الوطنية والشرف.

إن هذا التسريب ليس مجرد فضيحة إعلامية عابرة، بل هو وثيقة تاريخية تدين سلوكاً جباناً يحاول التخفي خلف الشعارات البراقة. وبينما تنتظر العدالة الأمنية والقضائية أن تضع يدها على هذا المارق، يبقى السؤال الأخلاقي معلقاً: كيف يمكن لشخص بلغ هذا المستوى من الخسة والنفاق أن يظل يحظى بمنصة إعلامية تروّج لأكاذيبه؟ أم أن زمن كشف الحقائق قد حان لإسكات هذا الصوت الذي أصبح لا يمثل سوى نفسه وقائمة أصدقائه من تجار المحرمات؟

error: Content is protected !!