هشام جيراندو.. من “مناضل” وهمي إلى بيدق في شبكات المخدرات

في مشهد يليق بأفلام الإثارة، تتساقط الأقنعة الواحدة تلو الأخرى عن وجه هشام جيراندو، ذلك الهارب الذي ظل سنوات يروج لنفسه كصوت معارض وناشط في محاربة الفساد، قبل أن تكشف تسريبات “أطلس هاكرز” الوجه الآخر المخيف لهذا الكائن الطفيلي .

فما كان يُروج له على أنه “نضال” رقمي، تبين أنه مجرد ستار كثيف لتغطية شبكة ابتزاز إجرامية تمتد من كندا إلى المغرب وتركيا، تتغذى على معاناة الضحايا وتهدد سمعة الأبرياء، وتصل في ذروة خبثها إلى التواطؤ مع كبار تجار المخدرات الدوليين .

لم يعد الأمر مجرد تسجيلات صوتية تظهر تفاوضاً على حذف فيديوهات مقابل أموال، بل تطور إلى ما هو أخطر: علاقة مباشرة بين جيراندو وعبد الواحد الغزاوي، البارون المعروف في عالم تهريب المخدرات، والمُوقوف على ذمة التحقيق في ملف “إسكوبار الصحراء” الشهير .

فالتسريبات الجديدة تضع جيراندو في صورة متكاملة تكشف حجم تورطه: لم يعد مجرد مبتز يتاجر بسمعة الناس، بل أصبح مستشاراً أمنياً وأداة طيعة تخدم مصالح كارتيلات المخدرات، يقدم لهم المعلومات الأمنية وينصحهم بتوقيت التوقف عن التهريب هرباً من كمائن الأمن .

يكشف التسجيل المسرب عن سخرية قدرية: الرجل الذي كان يتباكى على “قيم العدالة” و”محاربة المفسدين”، يظهر في محادثاته مع أمين الغزاوي، نجل البارون الدولي، كواشٍ وتحريضياً يبارك عمليات التهريب نحو أوروبا . إنه انكشاف مزلزل لكل الادعاءات التي ظل يرفعها راية “للنضال” .

ففي التسجيل الذي جمع جيراندو بعبد الواحد الغزاوي نفسه، يتحول المشهد إلى ما هو أكثر إدانة: حديث عن مبالغ مالية تحول إلى وسيط في تركيا، واستخدام تعبير “الفتوح” كرمز لبدء العلاقة المالية بين الطرفين .

ما كشفته التسريبات يتجاوز حالة فردية إلى شبكة منظمة، لها هيكلتها الدقيقة: بدءاً بجمع المعلومات عن الضحايا من منافسين أو أطراف متناحرة، ثم نشر فيديوهات التشهير، ثم فتح قنوات التفاوض عبر وسطاء، وأخيراً تحويل الأموال إلى حسابات في تركيا .

هذه الآلية، التي وثقتها تسجيلات “أطلس هاكرز”، تعكس تحول جيراندو من ناشط وهمي إلى عنصر في منظومة إجرامية عابرة للحدود، تتقاطع مصالحها مع شبكات المخدرات وتبييض الأموال والابتزاز الإلكتروني .

مع كل تسريب جديد، ينهار صرح الأكاذيب الذي بناه جيراندو حول نفسه، وتتهاوى ادعاءاته الواهية تحت وطأة الأدلة الصوتية الدامغة . إن هذه التسريبات لم تفضح مجرد مبتز، بل كشفت عن منظومة إجرامية منظمة، تقف خلفها أيادٍ تحاول النيل من استقرار المؤسسات، وتتغذى على أموال السموم .

ويظل السؤال الأهم: كيف كان لهذا الهارب أن يواصل لعبه القذر طوال هذه السنوات؟ والإجابة، كما تكشف التسجيلات، أنه كان يمتطي ظهر السراب الرقمي، متخفياً وراء شعارات براقة، لينتهي به المطاف كبيدق في خدمة مافيات المخدرات، ينتظر القصاص العادل الذي لا محالة آتٍ .

error: Content is protected !!