عينٌ تُغمض في فرنسا وتُضخَّم في المغرب.. جدل ازدواجية المعايير في الإعلام الفرنسي

في خضم النقاش المتجدد حول دور وسائل الإعلام في تشكيل الرأي العام، تبرز تساؤلات بشأن مدى التزام بعض المنابر الإعلامية الفرنسية بالمعايير المهنية نفسها عند تناول القضايا الداخلية الفرنسية ومتابعة الأحداث المرتبطة بالمغرب. ويعيد هذا الجدل طرح إشكالية ازدواجية المعايير في التغطية الإعلامية، وحدود الفصل بين العمل الصحفي والحسابات السياسية.

ويرى منتقدون أن بعض التغطيات الإعلامية الفرنسية تميل، في أحيان معينة، إلى وضع الاحتجاجات والاضطرابات الداخلية في سياق الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، مع التركيز على أسبابها وتداعياتها، بينما تتسم تغطية قضايا مماثلة في دول أخرى، من بينها المغرب، بنبرة أكثر حدة، قد تتجاوز في بعض الحالات نقل الوقائع إلى تقديم قراءات سياسية وتأويلات مثيرة للجدل.

ولا يتعلق الأمر هنا بالتعميم على مجمل الإعلام الفرنسي، الذي يضم مؤسسات واتجاهات تحريرية متعددة، بقدر ما يتعلق بضرورة إخضاع الخطاب الإعلامي لمعيار مهني موحد، يقوم على الدقة والتوازن والتحقق من المعلومات، بعيداً عن الانتقائية أو توظيف الأحداث لخدمة مواقف سياسية مسبقة.

الأزمات الداخلية الفرنسية تضع الإعلام أمام اختبار المهنية

في فرنسا، أعادت الاحتجاجات والمواجهات بين بعض المتظاهرين وقوات الأمن فتح النقاش حول تدبير النظام العام، وحدود استخدام القوة، ومسؤولية السلطات في حماية المواطنين وعناصر الشرطة على حد سواء. كما سلطت هذه الأحداث الضوء على التوتر القائم بين متطلبات حفظ الأمن وضمان الحق في الاحتجاج السلمي.

وفي هذا السياق، تثير الخلافات بين بعض النقابات الشرطية والسلطات السياسية أسئلة بشأن ظروف العمل الميداني، ووضوح التعليمات، والمسؤوليات المرتبطة بتدبير الاحتجاجات. غير أن تقييم هذه التطورات يظل رهيناً بالوقائع الموثقة والتصريحات الرسمية والمعطيات القضائية، بعيداً عن الأحكام المطلقة التي قد تحول الخلافات المهنية والمؤسساتية إلى استنتاجات نهائية بشأن مستقبل النظام السياسي الفرنسي.

كما أعادت الإصابات المسجلة خلال بعض التدخلات الأمنية النقاش حول مبدأ التناسب في استخدام القوة، وضرورة ضمان التحقيق في أي تجاوزات محتملة، بما يكفل حماية الحقوق الأساسية وصون سلامة المتظاهرين وأفراد الأمن.

وتفرض هذه التطورات على وسائل الإعلام الفرنسية مسؤولية نقل مختلف جوانب الأحداث، بما فيها أعمال العنف والتخريب، والمخاطر التي تواجهها قوات الأمن، والانتقادات الموجهة إلى أساليب التدخل الأمني، دون انتقاء الوقائع أو اختزال المشهد في رواية واحدة.

على الضفة الأخرى، تتواصل الانتقادات الموجهة إلى بعض التغطيات الإعلامية الفرنسية المتعلقة بالمغرب، خصوصاً عندما تتصل بملفات السيادة الوطنية والوحدة الترابية والعلاقات الثنائية بين الرباط وباريس.

ويعتبر منتقدو هذه التغطيات أن بعض المعالجات الإعلامية تميل إلى قراءة المواقف المغربية من زوايا سياسية ضيقة، أو تقديم القرارات السيادية باعتبارها أدوات ضغط، دون منح السياقات الدبلوماسية والمؤسساتية ما يكفي من الاهتمام. كما يثير هؤلاء تساؤلات حول مدى حضور وجهات النظر المغربية في معالجة الملفات التي تهم المملكة، ومدى احترام التعدد في عرض الروايات والتحليلات.

ومع ذلك، فإن إثبات وجود توجيه سياسي ممنهج أو حملة إعلامية منسقة ضد المغرب يقتضي الاستناد إلى أمثلة محددة وتحليل مضمون المواد المنشورة، ومقارنة العناوين بالمحتوى، والتحقق من مصادر المعلومات وطريقة عرضها. فالنقد المهني لا يستقيم بدوره إلا بالأدلة، كما أن اختلاف التقديرات الصحفية لا يعني بالضرورة وجود تضليل متعمد.

وفي ظل التحولات التي تعرفها العلاقات الدولية، لم يعد الرأي العام المغربي يتعامل مع التغطيات الخارجية باعتبارها المصدر الوحيد لفهم القضايا الوطنية، بل باتت وسائل الإعلام الرقمية والمنابر المحلية تتيح مساحة أوسع للنقاش والتحليل وتقديم وجهات نظر بديلة.

إن التحديات التي تواجه فرنسا، سواء تعلق الأمر بالتوترات الاجتماعية أو العلاقة بين المؤسسات السياسية والأمنية أو النقاش حول الحريات العامة، تفرض نقاشاً جدياً بشأن قدرة المؤسسات على معالجة الأزمات، ومدى نجاح الخطاب السياسي والإعلامي في مواكبة تطلعات المجتمع.

لكن اختزال هذه التحديات في الحديث عن انهيار الدولة أو نهاية الديمقراطية يظل استنتاجاً متسرعاً ما لم تدعمه معطيات واضحة. فالديمقراطية لا تُقاس بغياب الأزمات، وإنما أيضاً بقدرة المؤسسات على تدبيرها، واحترام القانون، وضمان المحاسبة، وفتح المجال أمام النقد والاختلاف.

وينطبق المعيار نفسه على تناول الشأن المغربي؛ إذ إن احترام سيادة الدول لا يتعارض مع حق الصحافة في النقد، مثلما أن ممارسة هذا الحق لا تبرر نشر معلومات غير دقيقة أو اعتماد مقاربات انتقائية تتجاهل السياقات والوقائع.

في نهاية المطاف، لا يكمن التحدي في المفاضلة بين فرنسا والمغرب، أو في التقليل من مشكلات طرف لتسليط الضوء على مشكلات الطرف الآخر، بل في المطالبة بمعايير صحفية واضحة ومتساوية في تناول القضايا الداخلية والخارجية.

فالإعلام الذي يطالب بالشفافية والمساءلة في المغرب، مطالب بالالتزام بالمبادئ نفسها عند تغطية الأحداث داخل فرنسا، كما أن الدفاع عن صورة المغرب ومصالحه الوطنية لا ينبغي أن يحول دون التمييز بين النقد المشروع والتغطية التي قد يشوبها التحيز أو ضعف التحقق.

وبين حق الصحافة في مساءلة السلطة وحق الدول في صون سيادتها، تظل المهنية هي الفيصل الأساسي. فالمصداقية لا تُبنى بالشعارات ولا بالاتهامات المتبادلة، وإنما بالتحقق من الوقائع، وتعدد المصادر، والإنصاف في عرض وجهات النظر، والقدرة على الفصل بين الخبر والرأي.

وإذا كان الزمن قد تجاوز كثيراً من أساليب التأثير التقليدية في الرأي العام، فإن التحدي الحقيقي أمام الإعلام الفرنسي وغيره يتمثل في استعادة ثقة الجمهور، عبر تغطية متوازنة لا تخضع لاعتبارات الانتقائية، ولا تجعل من القضايا الدولية امتداداً للصراعات السياسية، بل مجالاً للفهم والتحليل واحترام الحقيقة.

error: Content is protected !!