نفحة إنسانية في قلب المؤسسة الأمنية..زيارة حموشي إلى أكادير تكشف معدنه وتربيته وتواضعه
في سياق أمني مغربي شديد التنظيم والتسلسل الهرمي، يُنظر إلى عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، عادةً باعتباره استراتيجياً صارماً في جبهة مكافحة الإرهاب، أو رجل سلطة يتنقل بين قاعات الإنتربول. غير أن ما حدث صباح الأربعاء في أكادير أضاف إلى صورة هذا الرجل بعداً مختلفاً تماماً: قطع مئات الكيلومترات ليقف عند سرير شرطي بسيط أُصيب أثناء أداء واجبه.
هذه اللفتة ليست مجرد إجراء بروتوكولي، بل تعبير صامت عن “الأصل” و”التربية”. ففي الأوساط السياسية والأمنية المغربية، يُعرف حموشي بتواضعه وهدوئه، وهي سمات ليست وليدة المنصب، بل متجذرة في تكوينه الأول.
وُلد حموشي عام 1966 بضواحي تازة، ونشأ في أسرة كبيرة بمدينة فاس. هذا الأصل المتواضع والتكوين الفاسي التقليدي هما ما شكّلا لاحقاً أسلوبه المختلف عن كثير من التكنوقراط الذين اعتادوا في أروقة السلطة بالرباط على التصرف بصفة “المسؤول” أكثر من الإنسان.
ويشير مقربون من المديرية العامة للأمن الوطني إلى أن “تواضع” حموشي ليس تكتيكاً إعلامياً. فقد ظهر في مناسبات عديدة بمواقف لا تتناسب مع مكانته الرفيعة: نادراً ما يرفض التوقف لالتقاط صورة مع مواطنين في الشارع، ويختلط في الأيام المفتوحة للأمن الوطني بالأطفال والشباب مستمعاً لا خطيباً. وهي سمة نادرة في مؤسسات أمنية عربية شديدة التراتبية. وكما وصفتها الصحافة المغربية، هو من “الذين كلما ارتقوا في المسؤولية والرتبة، ازدادوا تواضعاً تجاه الخلق”.
ما جعل زيارة أكادير تلقى صدى واسعاً هو أنها كسرت منطق البيروقراطية الباردة. فالشرطي المعني كان قد تعرض لعملية دهس متعمدة أثناء تأدية مهامه، ما خلّف كسوراً وإصابات بليغة. وكان ردّ حموشي متدرجاً: أولاً قرار ترقية استثنائية، ثم تكليف المصالح الصحية والاجتماعية بتحمل جميع نفقات العلاج، ثم إيفاد لجنة مشتركة ضمت مدير مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية ومفتش مصالح الصحة ووالي أمن أكادير، وأخيراً حضوره شخصياً إلى غرفة المستشفى.
هذه السلسلة من الإجراءات يمكن قراءتها كتطبيق مؤسسي لـ”مبدأ حماية الدولة”، لكن الحضور الشخصي هو ما منحها دفئاً إنسانياً. ففي الثقافة الأمنية المغربية، ليس من المألوف أن يزور مسؤول رفيع المستوى أحد مرؤوسيه المصابين في المستشفى. الإشارة التي أراد حموشي تمريرها تتجاوز التعليمات الإدارية: محاولة بناء رابطة ولاء قائمة على “الإحساس بالأسرة” داخل المديرية العامة، لا على الانضباط وحده. وهذه الفلسفة الإدارية ليست بعيدة عن تكوينه الحقوقي بفاس، وتجربته الطويلة في مديرية مراقبة التراب الوطني حيث تعامل مع شبكات اجتماعية معقدة.
الطريف أن حموشي يقدم في الرأي العام المغربي صورة مفارقة. فهو من جهة رجل قبضة حديدية أثارت قلق التنظيمات الإرهابية وشبكات الجريمة، وقاد تعاوناً دولياً واسعاً في مكافحة الإرهاب نال عنه وسام جوقة الشرف الفرنسي. ومن جهة أخرى، تُصوّره الروايات الشعبية ووسائل التواصل كشخص “خجول ومتواضع للغاية”، حتى قيل إنه “لا يستطيع رفض أي طلب صورة في الأماكن العامة”.
هذه الصورة جزء منها نابع من صمته المتعمد. فخلافاً لمسؤولين مولعين بالظهور الإعلامي، نادراً ما يقبل حموشي المقابلات، وحضوره العام يكاد يعتمد على الأفعال لا الأقوال. وحين انحنى في مستشفى أكادير يسأل عن تطورات حالة الشرطي المصاب، لم يكن هناك وقوف متعمد أمام الكاميرات ولا خطب مطولة، بل مجرد أسطر قليلة وثّقتها وكالة المغرب العربي للأنباء. وهذا “التجريد من الاستعراض” هو بالضبط ما أكسبه احتراماً يتجاوز حدود المنصب لدى المواطنين والعناصر الأمنية على حد سواء.
في السردية الكبرى لتحديث المؤسسة الأمنية المغربية، يُصنَّف حموشي عادةً كمصلح واستراتيجي. لكن صباح أكادير يذكّر بأن الرجل الذي يقود ركيزتي الأمن المغربي ما زال يحتفظ في أعماق سلطته بقيم بسيطة من مدينة فاس العتيقة وريف تازة: رعاية الضعيف، وتقدير المضحي.